العراق… فجر السيادة في الثالث من أكتوبر 1932

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في الثالث من أكتوبر عام 1932، نهض العراق من بين ركام الانتداب ليعلن للعالم ميلاده الجديد كدولةٍ مستقلةٍ ذات سيادة، بعد أن أنهى اثني عشر عامًا من الوصاية البريطانية كان ذلك اليوم يومًا مهيبًا في تاريخ بلاد الرافدين – مهد الحضارات، وأرض الأنبياء، وموطن أولى المدن والشرائع على ضفاف دجلة والفرات، ارتفعت الأصوات تهتف “يحيا العراق”، وتحركت القلوب بالإيمان بأن هذا الوطن، الذي حمل شعلة الحضارة منذ آلاف السنين، استعاد اليوم مكانته بين الأمم الحرة.
من الانتداب إلى الاستقلال
عقب انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1918، أصبح العراق تحت الانتداب البريطاني بموجب قرار عصبة الأمم عام 1920. شهدت البلاد مقاومةً عنيفة، كان أبرزها ثورة العشرين، التي وحّدت القبائل والعشائر والطوائف جميعًا تحت راية الحرية والسيادة الوطنية سالت الدماء على تراب الوطن، وسُجِّلَت أسماء الشهداء في سفر المجد، لتصبح الثورة رمزًا خالدًا لإرادة العراقيين في وجه الهيمنة الأجنبية.
وفي عام 1921، توّج الأمير فيصل بن الحسين ملكًا على العراق بعد مؤتمر القاهرة، فبدأت مرحلة تأسيس الحكومة الوطنية، وبناء مؤسسات الدولة الحديثة رغم القيود البريطانية، لم يفقد العراقيون إصرارهم على نيل الاستقلال الكامل حيث جاءت معاهدة 1930 لتُمهد الطريق لهذا الهدف، إذ أُعيدت صياغة العلاقة مع بريطانيا بما يؤكد انتقال العراق نحو إدارة شؤونه بنفسه تمهيدًا للتحرر التام.
3 أكتوبر 1932… لحظة إعلان الحرية
وبعد أعوامٍ من الجهد والمفاوضات، وافقت عصبة الأمم في جنيف يوم 3 أكتوبر 1932 على انضمام المملكة العراقية كعضوٍ كامل الحقوق، منهيةً رسميًا الانتداب البريطاني وبذلك أصبح العراق أول دولة عربية في القرن العشرين تنال استقلالها وتنضم إلى المنظمة الدولية، معلنًا استعادة سيادته وقراره الوطني وقع رئيس الوزراء نوري باشا السعيد على طلب الانضمام، مدعومًا بإرث دبلوماسي وشعبي من النضال والثقة بالنفس.
حينذاك، عمّت الفرحة جميع أرجاء بغداد والمدن العراقية؛ علت المآذن بالتكبير، ودوّت الأجراس في الكنائس، واحتشدت الجماهير في الساحات وهي ترفع علم العراق، بألوانه الزاهية التي تجسد تضحيات الأمة وتطلعاتها كان المشهد ملحمةً من الوحدة الوطنية الصادقة، حيث امتزجت الدموع بالضحكات، في لحظةٍ يرى فيها الوطن ثمرة جهاده.
معنى اليوم ورمزيته
لم يكن الثالث من أكتوبر مجرد يومٍ للاستقلال السياسي، بل رمزًا للكرامة الوطنية، وبداية عهدٍ جديدٍ للتاريخ العراقي الحديث كان العراق يومها دولةً حديثةً بهويةٍ عريقة، تبني مؤسساتها الحكومية والإدارية، وتؤسس علاقاتها الخارجية على مبادئ السيادة والمساواة.
العلم الذي رفرف في سماء بغداد يومذاك حمل ألوانَ التضحية والعزّة: الأحمر دماء الشهداء، والأسود سواد الاحتلال الذي زال، والأبيض نقاء النوايا، والأخضر رمزٌ للنماء والإيمان وعند الفرات ودجلة، اللذين كانا شاهديْن على موكب الحضارة منذ الأزل، غسلت مياهُهما فرحةَ النصر وجعلت الأرض تزهو بيومٍ لا يُنسى.
العراق… وطن التنوع والوحدة
يذكّر يوم الاستقلال كل عراقي بأن هذا الوطن وُلد من رحم تنوعه ووحدته؛ عربًا وأكرادًا وتركمانًا وآشوريين، شيعةً وسنة، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين. لقد صنع الجميع ملحمة الحرية معًا، مؤكدين أن العراق، رغم تعدد ثقافاته ودياناته، يجتمع تحت سقف، واحدٍ للأرض والتاريخ والمستقبل من الموصل إلى البصرة، ومن الأنبار إلى كركوك، ظلّت كلمة “العراق” تعني الحياة ذاتها – هويةً تتجاوز الأزمان والانقسامات.
الاحتفالات الحديثة… العراق يوحّد قلوب أبنائه
يحتفل العراقيون اليوم بعيدهم الوطني في الثالث من أكتوبر بمشاعر الفخر والامتنان في بغداد، تُرفع الأعلام على الأبراج، وتُضاء الشوارع في الكرخ والرصافة تُقام الفعاليات الثقافية في الجامعات والمدارس والمراكز الوطنية، وتُتلى كلمات الشكر والعهد للوطن والشهداء.
في الإذاعات تُبَث الأناشيد الوطنية القديمة، وتصطبغ مواقع التواصل الاجتماعي بلون العلم العراقي، فيما تتبادل العائلات التهاني وتستذكر بطولات الأجداد الذين كتبوا التاريخ بدمائهم وإيمانهم.
القيم والإرث الوطني
يمثل يوم الاستقلال العراقي قيمًا خالدة: الكرامة، والوحدة، والتعايش، والإصرار على البناء رغم الجراح.
على مدى العقود التي تلت عام 1932، واجه العراق تحدياتٍ جسامًا – من الصراعات الداخلية إلى الحروب والاحتلالات – لكنه ظلّ واقفًا، صامدًا، ينهض من كل أزمةٍ بهامته المرفوعة وعزيمته المتجددة.
روح الاستقلال التي وُلدت آنذاك لا تزال حيّةً في أبناء هذا البلد، الذين يحملون اليوم مشعل الإعمار والتعليم والثقافة، ليواصلوا بناء عراقٍ مزدهرٍ كما أراده الأوائل.
العراق… وطن الخلود والعطاء
في الثالث من أكتوبر، يحتفل العراقيون ليس بذكرى مضت، بل بروحٍ لا تموت
كل نخلةٍ في البصرة، وكل مئذنةٍ في الموصل، وكل حجرٍ في بابل الكريمة، يروي قصة وطنٍ أحبّ الحرية ووقف شامخًا أمام التاريخ.
إن استقلال العراق لم يكن نهاية الصراع، بل بداية الطريق نحو تحقيق ذاته كأمةٍ تكتب وجودها بإصرارها وثقافتها وإيمانها بقدَرها.
يا عراقُ، يا هبةَ النهرين، يا فجرَ الحضارات، سيبقى في قلب كلّ أبنائك وهجُ الثالث من أكتوبر… عهدًا خالدًا بأن المجدَ لك باقٍ، ما دامت دجلةُ تفيضُ والفراتُ يُغنّي باسمك الأبيّ.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








