الصراط المستقيم

بعض الانتصارات لا تليق بالنبلاء: دروس بليغة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام

بقلم التربوي/ الشيخ محمد عرفه البهادي

دراما الغفران: حين يلتقي المظلوم بظالميه

من أكثر المشاهد الإنسانية رقيًّا في القرآن الكريم ذلك المشهد الذي اجتمع فيه يوسف بإخوته بعد سنوات طويلة من الفراق والأسى، هؤلاء الذين ألقوه في الجب وعادوا إلى أبيهم بقميصه الملطخ بالدم الكاذب؛ لتدور الأيام ويصبح يوسف عزيز مصر بينما يقف إخوته أمامه محتاجين إليه والظالم في حاجة للمظلوم، وهنا اختار يوسف شيئًا أرقى بكثير من الانتقام أو التشفي، مقتلعاً جذور الكراهية ليقول بكل تسامح ونقاء: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، متجاوزًا كل آلام الماضي في صورة تعكس أسمى معاني العفو عند المقدرة وفق ما يبرزه موقع وضوح الإخباري.

متى تظهر القوة الحقيقية للإنسان؟

هناك فرق جوهري وعميق بين أن تعفو وأنت عاجز لا تملك من أمرك شيئًا، وبين أن تعفو وأنت قادر على الانتقام وردّ الضربة بأضعافها؛ فقد كان يوسف يستطيع أن يذيقهم شيئًا من الذل الذي ذاقه، أو أن يجعلهم يقفون طويلًا أمام أخطائهم ويحاسبهم علنًا، لكنه امتلك القوة واختار الرحمة، مجسدًا القاعدة الإنسانية الخالدة بأن “ليس كل ما تستطيع فعله يستحق أن تفعله”، وأن بعض الانتصارات والتشفي لا تليق أبدًا بأخلاق النبلاء وأصحاب النفوس العالية.

فتح أبواب الرحمة وإغلاق ملفات الأخطاء

لم يكتفِ يوسف بالعفو السطحي أو المنّ، بل قرر أن يفتح باب الرحمة على مصراعيه قائلًا: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، ودون أن يجعل من تسامحه مسرحًا لاستعراض انتصاره أو إهانة من عفى عنهم؛ فالإنسان الذي يسامح ثم يظل يذكّر خصمه كل يوم بفضله عليه لا يكون قد حرره، بل أبقاه أسيرًا لذنبه ولفضله، بينما يوسف أغلق الباب وراء الماضي تمامًا ليعلمنا كيف نحرر القلوب من رغبة معاقبة الأخطاء السابقة.

الوفاء بالعهد: حنين القلب إلى الأب والبيت

لم تنسِ النجاحات الكبرى والمكانة الرفيعة يوسفَ أباه الذي ظل يحمله في طفولته وحنينه، بل طلب منهم أن يأخذوا قميصه ويلقوه على وجه أبيه ليأتِي بصيرًا، ليعود الأب ويعود الحنين وتجتمع العائلة التي مزقتها الغيرة والفرقة قديمًا؛ مؤكدًا أن الجب الذي فرقهم يومًا لم يكن أبدًا قادرًا على منع مشيئة الله من جمعهم في أحضان الدافئ والآمن، وكيف أن الأنبياء والنبلاء لا ينسون أصلهم ولا تتغير قلوبهم مهما علا شأنهم في الدنيا.

الخروج من المآسي بلا قسوة ولا كراهية

الانتصار الحقيقي والأعظم لم يكن يوم صار يوسف عزيز مصر، ولا يوم وقف إخوته محتاجين أمامه، بل كان في اللحظة التي استطاع فيها أن يقف أمام الذين كسروه فلا يصبح مثلهم؛ فلم يسمح لآلامه وظلمه أن تحوله إلى إنسان قاسٍ، بل جعل من ماضيه سببًا لنضجه وارتقائه النفسي، ليؤكد أن أقوى الناس ليس من يردّ الضربة، بل من يستطيع ردّها ثم يختار ألا يفعل، مالكًا ذاكرة لا تنكر الجرح وقلبًا لا يسمح لذلك الجرح بأن يفسده أو يسلب منه إنسانيته وسلامه الداخلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى