أراء وقراءات

تحرك.. لا تمت:( 6) استراتيجيات الخطر الهادئ والاحتلال الناعم

خداع الهدوء: كيف يروّض الصياد حذر الضحية؟

بقلم / مدحت مرسي

إن أكثر الناس حرصا على عدم إزعاج العصفور هو الصياد؛ إذ لا تكمن خطورة الصياد الحقيقية في بندقيته أو شبكته، بل في خطوته الخفيفة التي تشبه حنو الأمهات. إنها الحكاية القديمة المتجددة عن الخطر الذي لا يأتي صاخبًا، بل يأتي مرتدياً أبهى صور الهدوء والحرص. وحين لا يلتزم الصياد بالصمت والهدوء، فليس حبًا في راحة العصفور، بل لتعطيل غريزة الخوف والحذر لديه، ليمنحه شعورًا مزيفًا بالأمان التام يعمل على خفض دفاعاته الذاتية قبيل اللحظة الحاسمة، ممارساً في ذلك قدرًا عاليًا من ضبط النفس والانفعال ولكن بخلو تام من أي تعاطف حقيقي.

الاحتلال الناعم: السلطة المستبدة وصناعة السكون

في أدبيات العلوم السياسية، لا تلجأ السلطة المستبدة الذكية إلى استخدام القوة الغاشمة أولاً، بل تكرس حرصها الشديد على صيانة “سكون” الشارع ورخائه الظاهري، وذلك لمنع استثارة الغضب الشعبي أو تحريك وعي الجماهير. ومن خلال رفع شعارات براقة مثل الاستقرار والسكينة العامة، تمارس هذه السلطات حماية فائقة وهمية للمواطن من “الاضطراب” أو “الإزعاج”، بغرض أساسي يتمثل في سلب الإرادة الاستقلالية وصياغة فرد طيع قابل للتوجيه والتأطير المستمر.

النفاق المعاملاتي ومجتمع الصيادين

إن المجتمع الذي يعج بـ “الصيادين” هو مجتمع يغيب عنه التعاطف الأصيل ليحل محله النفاق المعاملاتي، حيث يُعامل الفرد مجرد إمكانية أو قيمة استهلاكية مادية وليس كيانًا إنسانيًا مستمرًا. إن الحرص الزائد والظاهري من قِبل الأوساط الاجتماعية أو المؤسسات الحاضنة على “عدم إزعاج” الفرد أو توفير احتياجاته الأولية ليس سوى وسيلة استباقية خبيثة لمنعه من التفكير في الخروج عن نسق المجموع، أو التطلع نحو المطالبة بفضاءات أوسع وأرحب من الحرية.

الخلاصة: إن خطورة الصياد لا تكمن في بندقيته أو شبكته بل في خطوته الخفيفة التي تشبه حنو الأمهات، وهي الحكاية القديمة عن الخطر الذي لا يأتي صاخبًا بل يأتي في أبهى صور الهدوء والحرص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى