أراء وقراءات

من غرفة الصدى إلى سجن المحتوى.. هل أصبحت الخوارزميات تعزلنا ونحن نظن أنها تقرّبنا؟

 الخوارزميات تقرّب إلينا ما نحب.. لكن هل تبعد عنا ما نحتاج إلى معرفته؟

بقلم/ دكتورة هناء خليفة

 

في البداية يبدو الأمر مريحًا؛ محتوى يشبه اهتماماتنا، وآراء تقترب من أفكارنا، وأشخاص نميل إلى متابعتهم. لكن مع الوقت، قد يتحول هذا التشابه من وسيلة للراحة إلى دائرة مغلقة، تتكرر داخلها الأفكار نفسها وتغيب عنها الأصوات المختلفة.

وهنا تبدأ غرفة الصدى، حيث نسمع ما يشبهنا أكثر مما نسمع ما يختلف عنا.

*الخوارزمية لا تغلق الباب.. لكنها تضيق النافذة

لا تحتاج الخوارزميات إلى منع المحتوى المختلف حتى تعزل المستخدم عنه. يكفي أن تقدم له المزيد مما تلاحظ أنه يتفاعل معه، فيصبح المحتوى المتشابه أكثر حضورًا، بينما تتراجع المواد التي تقع خارج اهتماماته المعتادة.

وهكذا لا نعيش بالضرورة داخل عالم زائف، لكننا قد نعيش داخل نسخة منتقاة من العالم؛ نسخة تتشكل تدريجيًا وفق ما نضغط عليه، وما نشاهده، وما نتفاعل معه.

*عندما يتحول الرأي إلى يقين

المشكلة لا تكمن في أن نرى أشخاصًا يتفقون معنا، وإنما في أن نفقد الاحتكاك بالأفكار المختلفة، فالرأي الذي لا يواجه سؤالًا، ولا يختبر نفسه أمام وجهة نظر أخرى، يمكن أن يتحول من قناعة قابلة للنقاش إلى يقين مغلق.

وهنا تصبح الخوارزمية جزءًا من المشكلة عندما تجعل المستخدم محاطًا بما يؤكد أفكاره باستمرار، فيشعر أن ما يعتقده هو الصورة الوحيدة الموجودة، وأن الرأي المختلف هو الاستثناء.

*سجن المحتوى.. حين تختار الخوارزمية حدود العالم

السجن هنا ليس جدارًا ولا بابًا مغلقًا، إنه محتوى متاح بلا نهاية، لكنه يدور في الدائرة نفسها… كلما شاهدنا أكثر، تعلمت الخوارزمية عنا أكثر، وكلما تعلمت عنا أكثر، أصبح تخصيص المحتوى أدق. وقد تبدو التجربة شديدة الخصوصية، لكنها في الوقت نفسه قد تصبح أقل تنوعًا.

وهنا المفارقة: كلما أصبح المحتوى أكثر ملاءمة لنا، قد يصبح عالمنا الرقمي أكثر ضيقًا، فنحن لا نحتاج إلى أن تمنعنا المنصة من رؤية الرأي الآخر؛ يكفي أن تجعلنا لا نصل إليه أصلًا، أو أن تجعله أقل حضورًا من المحتوى الذي اعتدنا عليه.

*من التواصل إلى العزلة الناعمة

المفارقة أن التكنولوجيا التي جعلت العالم أكثر اتصالًا قد تساهم أحيانًا في بناء دوائر أكثر انعزالًا.

نتواصل مع عدد أكبر من الأشخاص، لكننا قد نتعرض لآراء أقل تنوعًا. نتابع مئات الحسابات، لكن كثيرًا منها يعيد الأفكار نفسها. ونظن أننا نرى العالم كله، بينما نرى في الحقيقة الجزء الذي نجحت الخوارزمية في توقع اهتمامنا به.

إنها عزلة ناعمة؛ لا نشعر بها لأننا لسنا وحدنا، بل محاطون دائمًا بالمحتوى والتعليقات والتفاعلات.

*كيف نكسر الدائرة؟

كسر غرفة الصدى لا يعني أن نبحث دائمًا عن الاختلاف لمجرد الاختلاف، وإنما أن نحرص على ألا يصبح الاتفاق هو المصدر الوحيد للمعلومات.

نحتاج إلى تنويع مصادرنا، ومتابعة أصوات مختلفة، والبحث بأنفسنا خارج ما تقترحه المنصات، وقراءة ما لا يطابق قناعاتنا دون أن نعتبر الاختلاف تهديدًا.

كما أن الوعي يبدأ من إدراك أن ما يظهر أمامنا ليس بالضرورة صورة كاملة للواقع، وأن غياب رأي أو قضية من شاشتنا لا يعني بالضرورة غيابها من الحياة.

فالخوارزمية لا تقول لنا دائمًا: «هذا هو العالم».. لكنها قد تجعلنا نرى العالم بهذه الطريقة.

*المساحة التي نحتاجها خارج الخوارزمية

ربما لا نستطيع أن نطلب من الخوارزميات أن تتوقف عن التخصيص، ولا نحتاج إلى ذلك، لكن يمكننا أن نحتفظ لأنفسنا بمساحة لا تختارها الخوارزمية؛ مساحة نبحث فيها، ونقارن، ونكتشف، ونسمع ما لم تقترحه علينا المنصة.

لأن توسيع مصادر المعرفة ليس مجرد وسيلة للحصول على معلومات أكثر، بل وسيلة للحفاظ على مرونة الوعي وقدرته على مراجعة أفكاره وعدم الوقوع في أسر التكرار.

المشكلة ليست أن الخوارزمية تعرف ما نحب، وإنما أن نسمح لها بأن تحدد لنا ما الذي يستحق أن نعرفه.

وفي عالم تتسع فيه دوائر التواصل، ربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا من وقت لآخر: هل نحن نستخدم الخوارزميات لتوسيع عالمنا.. أم أننا نسمح لها بصناعة عالم صغير يشبهنا فقط؟

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى