السودان

إثيوبيا تستدعى السفير السودانى.. وتصعيد “المسيرات” ينذر بتدويل الصراع

كتبت – د.هيام الإبس

دخلت العلاقات السودانية–الإثيوبية نفقاً مظلماً وجديداً من التوتر الدبلوماسي والعسكري، في خطوة يراها مراقبون أنها قد تكون “نقطة التحول” الأخطر في مسار الحرب السودانية وتوازنات القرن الإفريقي، فقد أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية، اليوم الأربعاء، استدعاء السفير السوداني لدى أديس أبابا، في رد فعل غاضب على اتهامات الخرطوم المباشرة للجيش الإثيوبي بالتدخل العسكري الميداني.

شرارة الأزمة.. مسيرات عابرة للحدود

بدأت الأزمة عقب بيان شديد اللهجة أصدرته وزارة الخارجية السودانية، اتهمت فيه أديس أبابا صراحة بالسماح بانطلاق طائرات بدون طيار (مسيُرات) من أراضيها لضرب مواقع داخل العمق السوداني، ونقلت قناة “الجزيرة” عن مصدر دبلوماسي إثيوبي أن الخارجية الإثيوبية أبلغت السفير السوداني رفضها القاطع لهذه الاتهامات، واصفة إياها بـ “الادعاءات الباطلة” التي تهدف للتغطية على إخفاقات داخلية أو محاولات لجر إثيوبيا إلى الصراع.

وبينما تتمسك أديس أبابا رسمياً بموقف “الحياد”، إلا أن الوقائع على الأرض واللغة الدبلوماسية المتبادلة تشير إلى أن البلدين باتا على حافة اشتباك عسكري غير معلن.

اشتباك غير معلن وتوظيف للصراعات الداخلية

في قراءة للمشهد، يقول الصحفي والباحث في شؤون القرن الإفريقي والبحر الأحمر، خالد محمد طه، في مقابلة مع “راديو دبنجا”، إن التوتر تجاوز مرحلة الحرب الكلامية. ويشير طه إلى أن الضربات الجوية التي نفذتها مسيرات مجهولة أدت بالفعل إلى موجات نزوح واسعة في جنوب ولاية النيل الأزرق، تزامناً مع تقارير استخباراتية ترصد تحركات لوحدات عسكرية إثيوبية داخل حدود ولاية الجزيرة السودانية.

وأضاف طه: “المشهد يتجه نحو تعقيد خطير؛ فأديس أبابا تتهم الخرطوم بتجنيد مقاتلين من إقليم تيجراى للقتال في الحرب السودانية الحالية، وهو ما يعني انتقال الصراع من مستوى النزاع الحدودي التقليدي إلى مستوى توظيف الحركات المتمردة والحروب الأهلية لكل طرف ضد الآخر”.

حساسية اللحظة الدولية.. الفراغ والفرص

ويرى الباحث خالد طه أن الطرفين يمارسان سياسة “الاعتراف والتأجيل”، حيث يتم تثبيت الوقائع سياسياً دون الذهاب لمواجهة شاملة مفتوحة، بانتظار تبلور التوازنات الدولية.
وربط طه هذا التصعيد بالبيئة العالمية الملتهبة، خاصة الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في مياه المنطقة.

وأوضح قائلاً: “هذه التوترات الكبرى تخلق فراغات انتباه دولية، تجد فيها قوى إقليمية طموحة مثل إثيوبيا فرصة للحركة وتوسيع النفوذ.
أديس أبابا ترى نفسها قوة صاعدة وتسعى لتأمين مصالحها في معادلات البحر الأحمر والحدود، مستغلة حالة السيولة الأمنية التي خلفتها الحرب في السودان”.

رسائل البيان السوداني وسيناريوهات المستقبل

وحول توقيت إعلان السودان عن التدخل الإثيوبي المباشر، يرى طه أنه فعل “دفاعي واستباقي”، فالخرطوم تريد إرسال رسالة مفادها أن الحدود الشرقية والمجال الجوي باتا “خطاً أحمر”، خاصة مع تحول المسيرات إلى سلاح استراتيجي في الحروب الحديثة.

وحذر طه من أن هذا التصعيد سيؤدي بالضرورة إلى أي احتكاك سوداني–إثيوبي سيفهم ضمن شبكة الردع المرتبطة بأزمات البحر الأحمر، مما يهدد الملاحة والتجارة الدولية.
كما أن فتح جبهة شرقية للسودان سيعني تشتيت جهود الجيش السوداني، مما يعقد مسارات الحسم أو التسوية الداخلية.
وكذلك ارتباط الحرب السودانية بحسابات النفوذ في القرن الإفريقي سيجعل من الصعب الوصول إلى حل سوداني-سوداني بعيداً عن التدخلات الخارجية.

السودان في عين الإعصار الإقليمي

يبدو أن الحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً، بل تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، فاستدعاء السفير السوداني في أديس أبابا ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو نذير بانهيار “شعرة معاوية” بين الجارين، ومع دخول المسيرات والاتهامات بتجنيد المتمردين العابرين للحدود، يواجه القرن الإفريقي خطر الانفجار الشامل الذي قد يغير خارطة النفوذ في المنطقة لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى