*الإعلام العاطفي: عندما تتحول المشاعر إلى أداة تأثير*

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
لم تعد القصة إنسانية… بل أصبحت “مؤثرة”… في كل مرة تتوقف فيها أمام مقطع مؤلم، أو قصة إنسانية تهزك من الداخل، وتجد نفسك تضغط “مشاركة” دون تفكير طويل، تذكّر أن الأمر لم يعد عفويًا كما يبدو.
نحن لا نتفاعل فقط مع الواقع، بل مع نسخة مُعاد صياغتها بعناية لتلمس نقطة حساسة داخلنا.
*كيف تُصنع القصة التي تُبكينا؟
ليس كل حدث إنساني يتحول إلى قصة مؤثرة، بل يتم “اختياره” و”إعادة بنائه” ليؤدي وظيفة شعورية محددة.
يحدث ذلك عبر مجموعة من الأدوات الخفية:
▪️التركيز على الضحية لا الحدث
تحويل الواقعة من “خبر” إلى “حكاية شخصية”
▪️الانتقاء العاطفي للتفاصيل
إبراز اللحظات الأكثر ألمًا أو ضعفًا
▪️استخدام لغة مشحونة، وكلمات مثل: مأساة، صدمة، فاجعة، دموع…
▪️الموسيقى والصورة (في المحتوى المرئي) لتكثيف الإحساس وليس فقط نقل المعلومة
هنا لا يتم نقل الواقع، بل إعادة إخراجه.
*لماذا ننجذب للمحتوى المؤلم؟
الإنسان بطبيعته كائن عاطفي قبل أن يكون عقلانيًا… لكن في عصر السوشيال ميديا، أصبحت المشاعر عملة.
المحتوى الذي يُبكي يُشارك أكثر، والمحتوى الذي يُغضب ينتشر أسرع
والمحتوى الذي يصدم يظل في الذاكرة
المشكلة ليست في التعاطف… بل في توجيهه.
فعندما يتم تقديم قصة إنسانية بزاوية معينة، يتم دفع الجمهور—دون وعي—إلى: تبنّي موقف محدد، إصدار حكم سريع، الانحياز لطرف دون رؤية الصورة الكاملة… وهنا يتحول الإعلام العاطفي من “نقل معاناة” إلى صناعة موقف.
*الوجه الآخر: هل كل تأثير عاطفي سلبي؟
ليس بالضرورة… الإعلام العاطفي قد يكون أداة إيجابية عندما:
▪️يسلّط الضوء على قضايا مهمشة
▪️يحرك الرأي العام تجاه أزمات إنسانية
▪️يدفع نحو التبرع أو المساندة
لكن الخط الفاصل دقيق جدًا بين:
التأثير… والتلاعب.
*الخطر الحقيقي: عندما نتوقف عن التفكير
أخطر ما في الإعلام العاطفي ليس أنه يجعلنا نشعر، بل أنه أحيانًا يجعلنا نشعر بدل أن نفكر، ونشارك قبل أن نتحقق، ونحكم قبل أن نفهم، وننحاز قبل أن نرى كل الزوايا
في الختام…
لم تعد المشاعر مجرد استجابة، بل أصبحت أداة تُصنع وتُدار وتُوجَّه.
لذلك، في المرة القادمة التي تشعر فيها أن قصة ما “هزّتك”.. توقف لحظة واسأل نفسك: هل تأثرت بالواقع، أم بالطريقة التي قُدِّم بها هذا الواقع؟




