أراء وقراءات

الإعلام بين صناعة الوعي والتضليل: كيف يُعاد تشكيل إدراك المجتمعات؟

كتب – الإعلامي نبيل قشطي

يشهد العالم المعاصر تحولًا جوهريًا في طبيعة الدور الذي يلعبه الإعلام فلم يعد مجرد وسيط لنقل الأخبار أو توثيق الأحداث بل أصبح قوة فاعلة في تشكيل الوعي العام وتوجيه إدراك الأفراد تجاه القضايا المختلفة بما يحمله ذلك من تأثير مباشر على اتجاهات الرأي العام داخل المجتمعات.

وفي ظل التوسع الهائل في وسائل الإعلام التقليدية والرقمية وتعدد مصادر المعلومات وتداخلها بات المتلقي أمام كمٍّ هائل من الرسائل الإعلامية التي لا تكتفي بعرض الواقع بل تعيد صياغته وتقديمه في قوالب مختلفة الأمر الذي يجعل من الإعلام عنصرًا مؤثرًا في بناء التصورات الذهنية للأفراد أكثر من كونه ناقلًا محايدًا لها.

وفي هذا السياق يبرز مفهوم “صناعة الوعي” بوصفه أحد أبرز الأدوار الإيجابية للإعلام حيث يسهم المحتوى الإعلامي المهني في تفسير الأحداث وربطها بسياقاتها المختلفة، بما يساعد الجمهور على فهم أعمق للقضايا العامة بعيدًا عن التبسيط المخل أو التضليل كما يمتد هذا الدور إلى تعزيز القيم المجتمعية الإيجابية ودعم النقاش العام وإتاحة مساحة من التفاعل الواعي مع القضايا المطروحة على الساحة.

غير أن هذا الدور الإيجابي لا ينفصل عن جانب آخر أكثر تعقيدًا، يتمثل في احتمالية تحول الإعلام إلى أداة للتضليل في حال غياب المهنية أو استخدامه لتوجيه الرسائل بشكل انتقائي يخدم مصالح محددة. ويأخذ التضليل الإعلامي أشكالًا متعددة تبدأ من نشر معلومات غير دقيقة مرورًا باجتزاء الحقائق من سياقها وصولًا إلى إعادة تشكيل الأحداث بصورة غير متوازنة تؤثر في إدراك الجمهور لها.

وتكمن خطورة هذا النوع من الممارسات في كونه لا يؤثر فقط على فهم الأفراد للواقع بل يمتد أثره إلى تشكيل مواقفهم وسلوكهم تجاه القضايا المختلفة بما قد يخلق حالة من الالتباس وفقدان الثقة في مصادر المعلومات.

وبين هذا وذاك يبقى الفاصل الحقيقي بين الإعلام بوصفه أداة لصناعة الوعي والإعلام بوصفه وسيلة للتضليل مرتبطًا بدرجة الالتزام بالمعايير المهنية وعلى رأسها الدقة والموضوعية والشفافية في نقل المعلومات كما يظل المتلقي شريكًا أساسيًا في هذه المعادلة من خلال قدرته على التحقق النقدي من المحتوى الإعلامي وعدم التعامل مع المعلومات باعتبارها حقائق مطلقة دون تمحيص.

وفي المحصلة يمكن القول إن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة مساعدة لفهم الواقع بل أصبح أحد أهم الفاعلين في صياغته وهو ما يجعل من الوعي الإعلامي ضرورة ملحة لمواكبة هذا التحول المتسارع وضمان عدم تحول التأثير الإعلامي إلى أداة لإعادة إنتاج الوعي بصورة مضللة.

 الإعلامي نبيل قشطي

زر الذهاب إلى الأعلى