الإعلام والشائعات في العصر الرقمي: حين تتحول المعلومة إلى أداة تأثير

كتب –الإعلامي نبيل قشطي
أصبح انتشار الشائعات في العصر الرقمي أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة في ظل التحول الكبير في أنماط تلقي المعلومات، واعتماد شريحة واسعة من الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار دون التحقق من دقتها أو موثوقيتها.
وفي بيئة إعلامية تتسم بالسرعة الفائقة في تداول المحتوى لم تعد المعلومة تمر عبر القنوات التقليدية للتحقق والتدقيق بل بات بإمكان أي خبر صحيحًا كان أو مضللًا أن ينتشر خلال لحظات معدودة ويصل إلى نطاق واسع من الجمهور، وهو ما يفتح المجال أمام الشائعات لتأخذ مكانها داخل المجال العام بسهولة غير مسبوقة.
وتنشأ الشائعات عادة في الفراغ المعلوماتي أو في غياب المصادر الرسمية الواضحة، ثم تتغذى على التفاعل السريع وإعادة النشر دون تمحيص لتتحول تدريجيًا من مجرد رواية غير مؤكدة إلى “حقيقة” راسخة في أذهان البعض. وتزداد خطورة هذا المسار عندما ترتبط الشائعة بقضايا مجتمعية حساسة أو أحداث ذات طابع سياسي أو اقتصادي أو أمني.
وفي المقابل، يلعب الإعلام المهني دورًا محوريًا في مواجهة هذا النمط من التضليل من خلال التحقق من المعلومات قبل نشرها والاعتماد على مصادر موثوقة وتقديم الرواية الدقيقة للأحداث إلى جانب تصحيح المعلومات المغلوطة وإعادة وضعها في سياقها الصحيح غير أن فعالية هذا الدور تبقى مرتبطة بسرعة الاستجابة في ظل تفوق سرعة انتشار الشائعة على أحيان كثيرة على سرعة نفيها.
ولا يقتصر تأثير الشائعات على تشويه الحقائق فحسب بل يمتد ليشمل إحداث حالة من الارتباك داخل المجتمع وإضعاف الثقة في مصادر المعلومات، والتأثير على القرارات الفردية والجماعية وهو ما يجعلها أحد أخطر أشكال التأثير غير المباشر في الرأي العام.
ومع هذا الواقع يبرز دور المتلقي باعتباره عنصرًا أساسيًا في مواجهة هذه الظاهرة إذ لم يعد استقبال المعلومات موقفًا سلبيًا بل أصبح مسؤولية تتطلب قدرًا من الوعي النقدي والقدرة على التمييز بين المصدر الموثوق والمعلومة غير المدققة وعدم الانسياق وراء المحتوى المتداول دون تحقق.
وفي النهاية يمكن القول إن الشائعات لم تعد مجرد ظاهرة عابرة بل أصبحت جزءًا من التحديات المرتبطة بالبنية الإعلامية الحديثة، الأمر الذي يجعل من الوعي الإعلامي والتحقق من المعلومات ضرورة أساسية لحماية المجال العام من التشويه، وضمان بقاء الحقيقة في مواجهة هذا الكم المتزايد من التضليل
الإعلامي نبيل قشطي



