صحة و جمال

التبرز اللاإرادي  … همس الظلال وضياع البراءة

بقلم / الدكتور أيمن البرديي

في سِفر البراءة، حيث العالم ينسج بخيوط من ذهب، وتزهو الصفحات بألوان الطفولة الزاهية، وتزينها صور الضحكات البريئة، وحروف نُقشت بمداد الأمل والنور والبهجة، تقبع بين السطور ظلال خفية، وتحديات تثقل كاهل الأرواح الصغيرة، وتتسلل بهدوء لتلقي بكسوفها على أبهى مراحل العمر.

من بين هذه الظلال الرقيقة يبرز اضطراب التبرز اللاإرادي (Encopresis)، ليس كقصور في التربية، أو خيار كسول ومتعمد، بل كـصرخة صامتة تطلقها ذات غضة، خانها جسدها في اللحظة التي أرادت فيها أن تكون “جيدة” ونظيفة.

هذا الاضطراب ليس وصمة إهمال، ولا هو ثمرة عناد أو تكاسل، بل هو صراع داخلي يدور رحاه بين إشاراتٍ عصبية خافتة، وعضلاتٍ أنهكها الكبح، وربما صدى لصدمة نفسية عميقة الجذور لم يختارها الطفل.

هنا يجد الطفل نفسه الضحية الأولى لمعركة بيولوجية ونفسية لم يقرر الدخول فيها، يحاول جاهداً أن يتحرر من قبضة التسرب اللاإرادي، لكنه يُسجن مراراً في دوامةٍ من الخجل والقلق الذي يُديمها.

إنها معركة تفوق احتماله، حيث يمتنع المستقيم المتمدد عن إرسال إنذاراته، فيتسلل البراز المحتبس عنوة، ليفقد السيطرة في أشد الأوقات حاجة إليها.

إننا لا نتحدث عن فعل إرادي أو خطأ في أسلوب التربية، بل عن أزمة فسيولوجية ونفسية تستعصي على الفهم البسيط، فالطفل المبتلى بهذا العرض يجد نفسه أسيراً في دوامة أقوى من احتماله، حيث تخونه وظيفة جسدية خفية.

لهذا، فإن نقطة الشروع في رحلة العلاج هي تطهير القلوب من رذاذ اللوم، والإقرار بأن هذا الطفل بريء غير مذنب، وإن ملابسه الملوثة ليست دليلاً على الخطأ، بل هي علامة طبية صامتة تنادي بالحاجة الماسة إلى التعاطف، الدفء، والدعم المتكامل والاحتواء اللطيف من كل يد تمد إليه.

التعريف اللغوي والعلمي والسريري :

أولاً : التعريف اللغوي :

كلمة Encopresis مشتقة من أصل يوناني (إغريقي) قديم ، وتتكون من جزأين رئيسيين :

المقطع الأول : “En-“، ويعني “في الداخل” أو “داخل” (in or within).

المقطع الثاني : “kopros”، ويعني: “براز” أو “روث” (feces or dung).

أي أنها تشير حرفياً إلى عملية أو حالة يكون فيها البراز “في الداخل” (في الملابس أو في أماكن غير مناسبة)، بدلاً من إخراجه بشكل طبيعي ومناسب.

ثانياً : التعريف العلمي :

هو سلس برازي وظيفي ( Functional Fecal Incontinence ) يتميز بالتصريف المتكرر للبراز في أماكن غير مناسبة.

ثالثاً : التعريف الطبي :

هو إفراز البراز اللاإرادي أو المتعمد في أماكن غير مناسبة، لا يكون ناتجاً عن حالة طبية عضوية أخرى، ويحدث بعد السن المتوقع للتحكم في الأمعاء.

معايير التشخيص وفقاً لـ DSM-5 (الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس) :

يتم تشخيص الاضطراب بناءً على الأعراض التالية :

  • التبرز المتكرر في أماكن غير مناسبة (مثل الملابس الداخلية أو الأرض)، سواء كان ذلك لا إرادياً أو متعمداً.
  • يجب أن يحدث هذا مرة واحدة على الأقل شهرياً، ولمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر.
  • يجب أن يكون العمر الزمني للطفل أربع سنوات على الأقل (أو ما يعادلها في النمو).
  • يجب ألا يكون السلوك ناتجاً حصرياً عن الآثار الفسيولوجية المباشرة لمادة ما (مثل الملينات) أو حالة طبية عامة، باستثناء الآلية التي يسببها الإمساك.

سن الحدوث ومعدلات الانتشار :

سن الحدوث :

لا يمكن تشخيصه قبل سن أربع سنوات.

معدلات الانتشار :

يتراوح بين 1% و 3% من الأطفال في سن الدراسة.

الفروق بين الذكور والإناث :

الاضطراب أكثر شيوعاً بثلاث إلى ست مرات لدى الذكور مقارنة بالإناث، وعلى الرغم من أن الآلية الدقيقة لهذا التباين الجنسي غير مفهومة بالكامل، إلا أن الأبحاث تشير إلى عدة عوامل محتملة تساهم في ارتفاع معدلات الإصابة لدى الذكور مثل :

  • العوامل التنموية والسلوكية :

 

  • الفروق في التدريب على المرحاض :

يميل الأولاد في المتوسط إلى اكتساب مهارات التدريب على استخدام المرحاض في سن متأخرة عن البنات، هذا التأخير قد يعرضهم لفترة أطول من السلوكيات المؤدية إلى الإمساك، مثل الحبس المتعمد للبراز (Withholding) أو عدم الاستجابة الفورية للإشارات.

  • المقاومة السلوكية :

يظهر بعض الأولاد مقاومة سلوكية أكبر لعملية التدريب على استخدام المرحاض نفسها، وقد يكونون أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات العناد والمماطلة التي تؤدي إلى نوبات الإمساك الأولية.

  • الفروق الفسيولوجية والجهاز الهضمي :

 

  • حركية الأمعاء (Gut Motility) :

تشير بعض الدراسات إلى اختلافات محتملة في حركية القولون (Colon Motility ) بين الجنسين، فقد تكون سرعة العبور المعوي (Transit Time) أبطأ قليلاً لدى الذكور، مما يزيد من احتمالية حدوث الإمساك وبالتالي احتباس البراز الذي يسبب التبرز اللاإرادي.

  • الهرمونات :

على الرغم من أن دورها المباشر في الطفولة المبكرة غير واضح، إلا أن الأبحاث تستكشف تأثير الهرمونات الجنسية على وظيفة الجهاز الهضمي والتحكم في العضلات المحيطة بالشرج والمستقيم.

  • العوامل النفسية والعصبية المشتركة :

 

  • الاضطرابات المصاحبة :

هناك ارتباط واضح بين التبرز اللاإرادي وبعض الاضطرابات العصبية – السلوكية الأخرى، خاصة اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD)، وبما أن الذكور أكثر عرضة للإصابة بـ ADHD، فإن هذا قد يرفع من معدل إصابتهم بالتبرز اللاإرادي لسببين هما :

  • عدم الانتباه لإشارات الجسم :

الأطفال المصابون بـ ADHD قد يكونون أقل انتباهاً لإشارات الجسم التي تدل على الحاجة إلى التبرز، مما يؤدي إلى حبس البراز دون قصد.

  • الاندفاعية :

قد تؤدي الاندفاعية إلى التأخر في الاستجابة للحاجة إلى الذهاب للحمام حتى فوات الأوان.

والخلاصة هنا أن السبب الأكثر ترجيحاً لارتفاع معدلات الإصابة بالتبرز اللاإرادي لدى الذكور هو مزيج من الفروق التنموية في اكتساب مهارات التدريب على المرحاض، والفروق السلوكية، والارتباط بزيادة انتشار الاضطرابات المصاحبة مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD) لديهم، ويعزى هذا التباين إلى تأخر متوسط سن التدريب على المرحاض لدى الذكور، وارتفاع معدلات الإصابة بالاضطرابات المصاحبة مثل نقص الانتباه (ADHD) بينهم، مما يقلل من انتباههم لإشارات الجسم.

التصنيف والآليات المرضية (Pathogenesis) :

يُقسم التبرز اللاإرادي إلى فئتين رئيسيتين :

  • التبرز اللاإرادي المرتبط بالإمساك واحتباس البراز (Retentive Encopresis) :

يمثل هذا النوع 90% من جميع حالات التبرز اللاإرادي تقريباً.

  • التبرز اللاإرادي غير المرتبط بالإمساك (Non-retentive Encopresis) :

هذا النوع أقل شيوعاً، وغالباً ما يكون مرتبطاً بعوامل نفسية وسلوكية، حيث يتم التبرز في أماكن غير مناسبة دون وجود احتباس برازي، وقد يكون هذا نتيجة للتحدي، أو اضطراب سلوكي مصاحب، أو مشاكل في التدريب على استخدام المرحاض، ولكنه لا ينتج عن تسرب فيسيولوجي.

الجوانب النفسية والاجتماعية لاضطراب التبرز اللاإرادي :

للتبرز اللاإرادي تأثير كبير على صحة الطفل النفسية والاجتماعية :

  • الخجل وتدني احترام الذات :

يعاني الأطفال المصابون بالتبرز اللاإرادي من مستويات عالية من الخجل والشعور بالذنب والإحراج نتيجة الرائحة والتلوث المتكرر للملابس.

  • النبذ الاجتماعي :

قد يتعرضون للسخرية أو النبذ من قبل الأقران، مما يؤدي إلى تجنب الأنشطة الاجتماعية مثل المبيت عند الأصدقاء أو المشاركة في المخيمات المدرسية.

  • الضغط الأسري :

يمكن أن يؤدي التعامل مع هذا الاضطراب إلى مستويات عالية من التوتر والصراع بين الطفل والوالدين، خاصة إذا اعتقد الآباء أن التبرز اللاإرادي هو فعل متعمد أو ناتج عن الكسل.

  • الاضطرابات المصاحبة :

تشير الأبحاث إلى أن الأطفال الذين يعانون من التبرز اللاإرادي، خاصة النوع غير المرتبط بالإمساك، قد يكون لديهم معدلات أعلى من اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD)، والقلق، أو الاكتئاب.

 

الأسباب الفسيولوجية والسلوكية والنفسية :

هذا الاضطراب هو نتيجة لتفاعل معقد بين عوامل فسيولوجية (جسدية) وسلوكية (نفسية).

أولاً: الأسباب الفسيولوجية (الآلية المرضية للإمساك والاحتباس) :

السبب الأساسي والرئيسي للتبرز اللاإرادي في أغلب الحالات هو الإمساك المزمن الذي يؤدي إلى احتباس البراز.

  • الإمساك المزمن ( الأولي ) ( Initiating Constipation) :

تبدأ المشكلة غالباً بعامل يؤدي إلى إمساك مؤقت، مثل :

  • الألم عند التبرز :

نوبة إمساك حادة أو شق شرجي (Fissure) تسبب ألماً أثناء الإخراج مما يجعل الطفل يتجنب التبرز خوفاً من الألم.

  • التغيرات الغذائية :

نقص حاد في تناول الألياف أو السوائل، أو الإفراط في تناول الأطعمة قليلة المخلفات.

  • تغيير الروتين :

السفر، أو المرض، أو الدخول إلى المدرسة، مما يدفع الطفل إلى تأجيل التبرز.

  • سلوك الحبس (Withholding Behavior) :

بسبب الألم أو الرغبة في تجنب مقاطعة اللعب، يبدأ الطفل في حبس البراز عمداً مما يزيد من تراكم البراز، ويتم ذلك عبر :

  • تشديد عضلات الأرداف وقاع الحوض :

للضغط على فتحة الشرج ومنع خروج البراز.

  • تجاهل الإشارات :

يتجاهل الطفل الشعور بامتلاء المستقيم، مما يضعف استجابة الأمعاء.

  • احتباس البراز (Fecal Impaction) :

هذه هي نقطة التحول الرئيسية في الاضطراب، حيث يؤدي حبس البراز إلى :

  • تراكم كميات كبيرة جداً وصلبة من البراز في المستقيم والقولون.
  • تمدد المستقيم (Rectal Dilation) :

تؤدي الكتلة الكبيرة إلى تمدد جدران المستقيم بشكل مزمن، وهذا التمدد يقلل من قوة العضلات التي يجب أن تنقبض لدفع البراز.

 

  • فقدان الإحساس (Sensory Loss) :

بمرور الوقت، تتعود المستقبلات العصبية للألم وللضغط في جدار المستقيم على هذا التمدد، ويصبح لدى الطفل عتبة إحساس مرتفعة (Higher Sensory Threshold)، ولا يشعر بالحاجة إلى التبرز إلا عندما تكون كمية البراز ضخمة أو عندما يكون التسرب قد بدأ بالفعل.

  • التسرب الفيضي (Overflow Incontinence) :

لا يستطيع البراز الجديد الليّن والسائل الذي ينتجه الجسم المرور عبر الكتلة الصلبة المحتبسة، لذلك يبحث عن طريقاً جانبياً للتسرب حول الكتلة الصلبة، ومن خلال فتحة الشرج يتدفق بشكل لا إرادي وغير متحكم فيه، أشبه بتسرب الماء من حاجز ممتلئ وفاض، ويلوث الملابس دون وعي الطفل أو إحساسه، وهو ما يعرف بـ التبرز اللاإرادي (Encopresis).

ملخص الحلقة المفرغة للنوع الأكثر شيوعاً :

الألم عند الإخراج ← الحبس والتجنب ← الإمساك واحتباس البراز ← تمدد المستقيم ← فقدان الإحساس ← التسرب اللاإرادي (Encopresis) .

ثانياً : الأسباب السلوكية والنفسية :

تلعب العوامل السلوكية والنفسية دوراً في بدء الاضطراب (خاصة الحبس)، أو في إدامته خاصة الضغط والقلق.

دور الأسرة في حدوث وإدامة التبرز اللاإرادي :

  • العوامل المتعلقة بممارسات التدريب على المرحاض (Toilet Training Practices) :

غالباً ما تبدأ المشكلة في مرحلة التدريب، حيث يمكن لأسلوب الأسرة أن يحدد ما إذا كانت تجربة الذهاب للحمام إيجابية أم سلبية.

  • الضغط المفرط والعقاب :

عندما تفرض الأسرة ضغطاً شديداً على الطفل ليصبح “نظيفاً” أو تستخدم القسوة أو العقاب أو التوبيخ أثناء التدريب أو عند وقوع الحوادث، يربط الطفل عملية التبرز بالخوف والقلق، وكرد فعل وقائي، يبدأ الطفل في حبس البراز لتجنب العقاب، مما يؤدي إلى الإمساك ثم الاحتباس.

  • التدريب المبكر أو القسري :

محاولة تدريب الطفل قبل أن يكون جاهزاً بدنياً أو نفسياً (القدرة على التحكم في عضلات الشرج)، حيث يوصي معظم أطباء الأطفال بالانتظار حتى يُظهر الطفل علامات الاستعداد، والتي تحدث عادة بين عمر 20 – 30 شهراً (عام وثمانية أشهر إلى عامين ونصف )، مما يخلق تجربة سلبية مؤلمة مرتبطة بالصراع على السلطة والضغط.

متى تعرف الأسرة أن الطفل أصبح مستعداً للتدريب على المرحاض ؟

مؤشرات الاستعداد الأربعة (الأهم من العمر) لتدريب الطفل على المرحاض :

السن مجرد دليل، ولكن الأهم هو أن يكون الطفل جاهزاً من النواحي الجسدية والمعرفية والسلوكية والعاطفية، فإذا بدأ التدريب قبل الأوان، فإنه يتحول إلى صراع على السلطة ويزيد من احتمالية سلوك حبس البراز الذي يؤدي إلى مشكلات مثل التبرز اللاإرادي (Encopresis).

(أ) الاستعداد الجسدي :     

أن يتمكن الطفل من المشي والجلوس بثبات، والتحكم في العضلات العاصرة (Sphincter Muscles )، وظهور فترات جفاف طويلة (ساعتين متتاليتين على الأقل)، مما يدل على نضج الجهاز العصبي الضروري للتحكم في الإخراج.

(ب) الاستعداد المعرفي :

أن يفهم الطفل الأوامر البسيطة وأن يربط بين الشعور بالامتلاء (الحاجة للحمام) والذهاب إلى المرحاض، وأن يكون قادراً على سحب ملابسه لأعلى ولأسفل، مما يدل على قدرة الطفل على فهم العملية واتباع الإجراءات.

(ﺟ) الاستعداد اللغوي :

أن يتمكن الطفل من التعبير بكلمات أو إشارات واضحة عن حاجته للتبول أو التبرز، مما يمنع “الحوادث” الناتجة عن عدم القدرة على التواصل

(د) الاستعداد السلوكي والعاطفي :

أن يظهر الطفل اهتماماً بتقليد الآخرين عند استخدامهم المرحاض، وألا يبدي مقاومة شديدة لتبديل الحفاض المتسخ، وأن يُظهر رغبة في الإرضاء أو الاستقلال، مما يدل على الدافع الذاتي، وهو المفتاح لنجاح التدريب.

  • التفاعل العاطفي غير الملائم (Inappropriate Emotional Response) :

بمجرد أن يبدأ الاضطراب (الإمساك والاحتباس)، يصبح رد فعل الأسرة هو العامل الأكثر تأثيراً على استمرار المشكلة.

  • اللوم والعار (Shaming and Blaming) :

الاعتقاد الخاطئ بأن التبرز اللاإرادي هو فعل متعمد أو كسل من قبل الطفل، فعندما تلوم الأسرة الطفل أو توبخه بسبب الملابس المتسخة والرائحة، يزيد ذلك من شعور الطفل بـالخجل وتدني احترام الذات والقلق الاجتماعي.

  • الحلقة المفرغة للضغط :

يزيد الخجل والقلق من ميل الطفل إلى الحبس لمنع أي “حادث” مستقبلي، وهذا الحبس يفاقم الإمساك والاحتباس، مما يزيد من التسرب اللاإرادي، فـيزيد ضغط الأسرة، وتستمر الحلقة المفرغة.

  • عدم فهم الآلية المرضية (Lack of Understanding of Pathophysiology) :

العديد من العائلات لا تدرك أن التبرز اللاإرادي المرتبط بالإمساك هو تسرب فيسيولوجي لا إرادي (Involuntary Overflow) وليس تصرفاً متعمداً.

  • تجاهل الإمساك الأولي :

قد تتغاضى الأسرة عن الإمساك المزمن المبكر أو لا تعالجه بجدية، معتقدة أنه سيزول من تلقاء نفسه، مما يسمح بتطور احتباس البراز.

  • التركيز على التسرب :

تركز الأسرة فقط على تنظيف الملابس ومعاقبة التسرب، بدلاً من التركيز على العلاج الطبي الأساسي للإمساك، وهذا يقلل من فعالية أي تدخل علاجي.

  • التوتر والصراع الأسري (Family Stress and Conflict) :

يمكن أن تكون البيئة الأسرية المشحونة بالضغوطات والتوترات النفسية والقلق عاملاً مساهماً في تفاقم الاضطراب، حيث يُلاحظ أن الاضطراب قد يظهر أو يتفاقم في أعقاب أحداث حياتية مجهدة مثل :

  • صدمات عاطفية :

قد يظهر التبرز اللاإرادي كرد فعل على القلق الناتج عن أحداث الحياة المجهدة مثل انفصال الوالدين ، أو ولادة شقيق جديد، أو وفاة شخص مقرب، أو وجود صراعات أسرية مزمنة.

  • تغيير البيئة :

الانتقال إلى منزل جديد، أو تغيير المدرسة.

  • الصراع على السلطة :

يستخدم بعض الأطفال التغوط كسلاح في صراع على السلطة مع الوالدين (خاصة في النوع غير المرتبط بالإمساك)، أو قد يستخدم بعضهم بشكل لا واعي السيطرة على أمعائهم كوسيلة لاستعادة الإحساس بالسيطرة في بيئة تشعرهم بأنها خارجة عن سيطرتهم.

  • الاضطرابات العصبية والسلوكية المصاحبة :

كما ذكرنا سابقاً، تزيد بعض الاضطرابات من احتمالية الإصابة مثل :

  • اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD) :

يؤدي عدم الانتباه المرتفع إلى تجاهل إشارات الجسم بشكل متكرر، كما أن الاندفاعية تجعل الطفل يترك الذهاب إلى الحمام حتى اللحظة الأخيرة، مما يسهل الإمساك.

  • اضطرابات التحدي (ODD) :

في حالات قليلة ( النوع غير المرتبط بالإمساك )، قد يكون التبرز اللاإرادي شكلاً من أشكال السلوك العدواني السلبي أو التعبير عن الغضب.

ثالثاً : العوامل الغذائية والوراثية :

  • النظام الغذائي الفقير :

تناول نظام غذائي يفتقر بشكل كبير إلى الألياف ( الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة ) وتناول كميات قليلة من الماء، مما يساهم مباشرة في الإمساك.

  • التاريخ العائلي :

قد يكون هناك ميل وراثي للإصابة بالإمساك المزمن أو التبرز اللاإرادي، مما يشير إلى اختلافات وراثية محتملة في حركية الأمعاء.

رابعاً : عوامل بيئية :

تلعب العوامل البيئية بشكل عام دوراً بارزاً في بدء حدوث أو تفاقم الاضطراب، خاصة سلوك حبس البراز، ويظهر ذلك جلياً في البيئة المدرسية، حيث تؤثر البيئة المدرسية غير الملائمة على الأطفال، وتساهم في تفاقم الإمساك الأولي وسلوك حبس البراز (Withholding)، مما يؤدي إلى التبرز اللاإرادي، وذلك من خلال ثلاث طرق رئيسية :

  • النفور من الأوساخ والخوف من الجراثيم (Aversion and Germophobia) :

 

  • عدم النظافة :

عندما تكون المراحيض المدرسية غير نظيفة، أو تحتوي على روائح كريهة، أو مقاعد مرحاض غير صحية، يطور الطفل شعوراً بالنفور والاشمئزاز من استخدامها، ويمتنع العديد من الأطفال (خاصة الفتيات) عن استخدام حمامات المدرسة لهذا السبب.

  • الخوف من الأمراض :

يخشى بعض الأطفال التقاط الجراثيم أو الإصابة بالعدوى، مما يجعلهم يتجنبون لمس أي شيء في الحمام أو الجلوس على المقعد.

ونتيجة لهذا النفور، يختار الطفل حبس البراز طوال اليوم الدراسي بدلاً من استخدام المرحاض غير النظيف.

  • القلق الاجتماعي وفقدان الخصوصية (Social Anxiety and Lack of Privacy) :
  • نقص الخصوصية :

في بعض المدارس، قد تكون أبواب المراحيض مكسورة، أو لا تغلق بشكل جيد، أو قد تكون الحمامات مشتركة ومزدحمة باستمرار، وقد يخشى الأولاد الصغار خاصة استخدام المراحيض التي قد يدخلها مراهقون أكبر سناً.

  • الخوف من التنمر والنبذ ( العار الاجتماعي ) :

يخشى الأطفال أن يلاحظهم أقرانهم أثناء دخول أو خروج المراحيض، أو أن يتم مضايقتهم أو السخرية منهم أثناء قضاء الحاجة، كما قد يتعرض الطفل للسخرية أو النبذ ويلاحقهم العار الاجتماعي من قبل الأقران بسبب الرائحة أو اتساخ الملابس عندما يقع حادث التبرز اللاإرادي في المدرسة.

  • رد فعل غير داعم من المعلم :

إذا لم يتعامل المعلم مع الموقف بتعاطف وفهم (مثل توبيخ الطفل أمام زملائه)، فإن ذلك يزيد من قلق الطفل وخجله، مما يدفعه إلى حبس البراز بقوة أكبر في المستقبل لتجنب الإحراج.

  • القواعد المدرسية الصارمة :

وجود قواعد مدرسية صارمة تمنع الطفل من الذهاب إلى الحمام أثناء الحصص الدراسية، مما يجبر الطفل على حبس البراز وتجاهل إشارات جسمه، مما يؤدي مباشرة إلى تفاقم الإمساك.

  • نقص الوقت الكافي :

قد يحدد المعلمون وقتاً قصيراً وغير كافياً أو غير مناسب للذهاب إلى الحمام، لذلك فالطفل الذي يحتاج وقتاً أطول للتبرز (بسبب الإمساك أو الحبس) قد يفضل تأجيل العملية.

ونتيجة لذلك يزيد هذا القلق الاجتماعي من ميل الطفل إلى تجاهل إشارات جسمه وتأجيل التبرز إلى حين عودته للمنزل، مما يعزز سلوك حبس البراز (Withholding)، وهو الحجر الزاوي في الآلية المرضية لهذا الاضطراب، خاصة النوع المرتبط بالإمساك.

خامساً : الأسباب النفسية العميقة (من منظور التحليل النفسي)  :

يرتبط التبرز اللاإرادي بشكل وثيق بـ المرحلة الشرجية (Anal Stage) من التطور النفسي الجنسي، والتي تحدث بين عمر 18 شهراً وثلاث سنوات تقريباً، وهي الفترة التي تتزامن مع التدريب على استخدام المرحاض.

  • الصراع في المرحلة الشرجية (Anal Stage Conflict) :

تعتبر هذه المرحلة أساسية لتطور الطفل، حيث يصبح التركيز على التحكم في إخراج البراز، ويُعتبر الاضطراب عرضاً لصراع لم يُحل في هذه المرحلة، ويرى فرويد أن هذا الصراع يدور حول ثلاثة محاور :

  • السلطة والسيطرة :

يصبح البراز أول “منتج” للطفل يمكنه التحكم فيه، التبرز أو حبس البراز يمثل أول وسيلة للطفل لممارسة السلطة والمقاومة ضد رغبات الوالدين.

  • الحب والكراهية :

يرى الطفل أن إخراج البراز هو “هدية” يقدمها للوالدين، وحبسه هو وسيلة للتعبير عن الرفض أو العدوانية.

  • القيمة الذاتية :

يربط الطفل بين قيمته الذاتية وكفاءته وبين قدرته على التحكم في هذه الوظيفة البيولوجية.

وعندما يكون التدريب على المرحاض صارماً جداً، أو قسرياً، أو بدأ مبكراً جداً، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تثبيت الطفل (Fixation) في هذه المرحلة أو إلى صراع لم يُحل بشكل صحي.

  • التثبيت الشرجي والميول الشخصية (Anal Fixation and Personality Traits) :

وفقاً للتحليل النفسي، يؤدي الصراع غير الصحي في هذه المرحلة إلى تثبيت نفسي يمكن أن يتخذ شكلين (وغالباً ما يتشابكان في حالة التبرز اللاإرادي) :

  • أ‌- الشخصية الشرجية – الاحتجازية (Anal-Retentive) :

تتميز بـ الحبس، والبخل، والعناد، والنظام المفرط، والتأجيل، وترتبط بالنوع الشائع من التبرز اللاإرادي، حيث يكون حبس البراز هو السلوك الأساسي لرفض الوالدين، مما يؤدي إلى الإمساك

  • ب‌- الشخصية الشرجية – الطاردة (Anal-Expulsive) :

تتميز بـ الفوضى، والعدوانية، والتخريب، والمزاجية، وترتبط بالنوع الأقل شيوعاً (غير المرتبط بالإمساك)، حيث يُنظر إلى التبرز كشكل من أشكال التعبير اللاواعي عن الغضب والعدوانية الموجهة ضد شخصيات السلطة (الوالدين).

  • التعبير عن العدوانية والغضب اللاواعي (Unconscious Aggression) :

في كثير من الحالات، يُنظر إلى التبرز اللاإرادي على أنه تعبير رمزي لاواعي عن الغضب أو الرغبات العدوانية التي لا يستطيع الطفل التعبير عنها لفظياً أو بشكل مباشر، خوفاً من فقدان حب الوالدين.

  • الرمزية :

يصبح البراز رمزاً للقذارة أو الفوضى، ويُستخدم “لتلويث” البيئة أو التعبير عن الاحتجاج السلبي.

  • آلية النكوص (Regression) :

قد يمثل التبرز اللاإرادي نكوصاً إلى مرحلة سابقة من النمو حيث كان الطفل لا يزال يتحكم في الوظيفة، وهذا يحدث غالباً كرد فعل على صدمة أو ضغط حديث (مثل ولادة شقيق جديد أو صراع أسري).

  • القلق وقضايا الفصل (Anxiety and Separation Issues) :

 

  • قلق الخسارة :

قد يرتبط حبس البراز بقلق الطفولة الباكرة حول “فقدان شيء ثمين من الجسد” (الاحتفاظ بالبراز).

  • الصراع حول الانفصال :

بما أن التبرز هو عملية “إخراج” وفصل، فإن الصعوبات في التبرز قد تعكس صراعاً أعمق حول الاستقلال عن الوالدين أو الخوف من الانفصال عنهم.

باختصار، من وجهة نظر التحليل النفسي، لا تُعالج الأعراض (التسرب) بحد ذاتها، بل يجب الكشف عن الصراع اللاواعي الكامن في المرحلة الشرجية الذي يؤدي إلى هذا العرض.

سادساً : دور الاعتداء الجنسي في التبرز اللاإرادي :

يمكن أن يكون التعرض للاعتداء الجنسي (Sexual Abuse) عاملاً قوياً ومسبباً للتبرز اللاإرادي (Encopresis)، خاصة في الحالات التي لا ترتبط بالإمساك المزمن بالطريقة المعتادة، وهناك آليتان رئيسيتان تربطان التعرض للاعتداء الجنسي بظهور التبرز اللاإرادي :

  • الاستجابة النفسية للتوتر والصدمة (Psychological Trauma Response) :

يُعتبر التبرز اللاإرادي في سياق الصدمة الجنسية غالباً عرضاً نفسياً أو سلوك نكوصي (Regressive Behavior) :

  • النكوص :

يعود الطفل لا شعورياً إلى مرحلة تطور سابقة (ما قبل اكتساب التحكم في الإخراج) كوسيلة للتعامل مع القلق والخوف الشديدين اللذين يسببهما الاعتداء.

  • اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) :

يعد التبرز اللاإرادي أحياناً جزءاً من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، حيث يؤدي التوتر الشديد إلى اضطراب في وظائف الجسم اللاإرادية.

  • التعبير عن الغضب واليأس :

قد يكون التبرز اللاإرادي طريقة لاواعية للتعبير عن المشاعر المدفونة من الغضب، الشعور بالتدنيس، أو اليأس التي لا يستطيع الطفل التعبير عنها لفظياً.

  • الانفصال (Dissociation) :

قد يؤدي الانفصال النفسي (آلية الدفاع التي يستخدمها الطفل للهروب من الواقع المؤلم) إلى ضعف الوعي بإشارات الجسم والحاجة إلى استخدام المرحاض.

  • الآثار الفسيولوجية المباشرة (Direct Physiological Effects) :

قد يساهم الاعتداء الجنسي في ظهور الاضطراب من خلال التأثيرات المباشرة على منطقة الحوض والأمعاء :

  • إصابة الأنسجة / الخوف :

قد يتسبب الاعتداء في إصابات جسدية أو ألم في المنطقة الشرجية / الحوضية، مما يؤدي إلى تجنب التبرز خوفاً من الألم (سلوك الحبس)، وهذا يؤدي في نهاية المطاف إلى الإمساك والاحتباس والتبرز اللاإرادي.

  • التفكك الوظيفي :

يمكن أن تسبب الصدمة توتراً مزمناً في عضلات قاع الحوض، مما يعيق عملية التبرز الطبيعية ويساهم في الإمساك أو سلس البراز.

  • النوع غير المرتبط بالإمساك :

في بعض الحالات، قد يظهر التبرز اللاإرادي دون وجود إمساك أو احتباس برازي واضح، وهذا النوع يشار إليه بشكل أكبر على أنه ناتج عن صدمة نفسية أو اضطرابات سلوكية واضحة، وغالباً ما يكون مرتبطاً بسوء المعاملة أو الإيذاء.

لذلك فعندما يظهر التبرز اللاإرادي لدى طفل بعد سن مناسب للتحكم، يجب أن يأخذ الأخصائيون في الاعتبار احتمالية وجود تاريخ من الإيذاء الجسدي أو الجنسي كجزء من التقييم الشامل، خاصة إذا كانت الأعراض لا تستجيب للعلاج الطبي والسلوكي التقليدي للإمساك، في هذه الحالة، يصبح العلاج النفسي للتعامل مع الصدمة هو العنصر الأساسي في خطة العلاج.

التقييم والتشخيص التفريقي (Assessment and Differential Diagnosis) :

يبدأ التقييم الشامل بأخذ تاريخ مرضي مفصل يشمل عادات التبرز (عدد مرات التبرز، شكل البراز باستخدام مقياس بريستول)، تاريخ التدريب على المرحاض، النظام الغذائي، وتاريخ الأعراض المصاحبة، كما يتم التشخيص من خلال الأدوات التشخيصية الآتية :

  • الفحص السريري للبطن والمستقيم :

بغرض تقييم وجود كتلة برازية صلبة ومرونة الشرج، حيث تكون النتيجة المتوقعة في حالة الاحتباس هي الشعور بكتلة كبيرة في البطن، أو كتلة برازية في المستقيم أثناء الفحص الشرجي ( رغم أن الفحص الشرجي ليس ضرورياً دائماً).

  • التصوير الشعاعي للبطن (KUB X-ray) :

يهدف إلى قياس درجة الاحتباس وتأكيد وجود كتلة برازية كبيرة، حيث يظهر دليل على كمية كبيرة من البراز المحتبس في القولون والمستقيم.

  • اختبارات مختبرية :

بهدف استبعاد الأسباب العضوية ( نادراً ما تكون ضرورية )، وتستخدم لاستبعاد اضطرابات مثل داء هيرشسبرونغ (Hirschsprung’s Disease) أو الاضطرابات الأيضية.

استراتيجيات العلاج المتكامل (Integrated Treatment Strategies) :

  • الفعالية العلمية :

العلاج الأول الأكثر فعالية والمستند إلى الأدلة (Evidence-Based  ) هو النهج الطبي السلوكي المتكامل (Integrated Medical-Behavioral Approach  ) الذي يركز على إزالة الإمساك وإعادة تدريب الأمعاء.

أولاً : العلاج الدوائي :

بالتأكيد عندما نتحدث عن العلاج الدوائي لاضطراب التبرز اللاإرادي (Encopresis)، فإن الهدف الرئيسي هو معالجة السبب الفسيولوجي المتمثل في الإمساك المزمن واحتباس البراز، ويجب التأكيد على أنه لا يوجد دواء يعالج السلوك نفسه، بل تعالج الأدوية الجهاز الهضمي لتمكين العلاج السلوكي، ويتم العلاج الدوائي عادة على مرحلتين رئيسيتين :

المرحلة الأولى : التنظيف الأولي إزالة الاحتباس (Disimpaction) :

المرحلة الأولى : (Disimpaction) :

الهدف هو الإزالة التامة لكتلة البراز الصلبة والكبيرة المحتبسة في المستقيم والقولون، وتُعد هذه الخطوة ضرورية لتصغير حجم المستقيم واستعادة الإحساس الطبيعي بالحاجة إلى التبرز، وغالباً ما يتم ذلك في المنزل أو في بعض الحالات الشديدة داخل المستشفى.

  • الخيار المفضل :

البولي إيثيلين جلايكول (Polyethylene Glycol – PEG)  هو الخيار الأول الموصى به، ويعد آمناً وفعالاً، ويعمل كملين تناضحي (Osmotic Laxative)، حيث يسحب الماء إلى البراز لتليينه وتفتيته دون أن يتم امتصاصه في الجسم، ويُعطى بجرعات عالية ( 0.7 إلى 1.5 جرام / كجم يومياً ) ولمدة قصيرة (عادة 3-6 أيام) حتى يخرج البراز سائلاً ونظيفاً.

  • بدائل :

يمكن استخدام الحقن الشرجية الفوسفاتية أو الزيتية (Enemas)، حيث تُستخدم أحياناً كبديل أو مكمل، خاصة الحقن الزيتية أو الفوسفاتية، لإثارة انقباضات المستقيم والمساعدة في تفتيت الكتلة، إلا أنه يجب استخدامها بحذر وتحت إشراف طبي، وغالباً ما تكون غير مريحة وأكثر إزعاجاً وتثير مقاومة الطفل.

ويمكن استخدام زيوت معدنية مثل (Mineral Oil)، حيث تستخدم أحياناً لتليين البراز وتسهيل مروره، إلا أنه قد يسبب تسرباً دهنياً لا إرادياً، لذا يفضل العديد من الأطباء استخدام PEG.

المرحلة الثانية : علاج الاستدامة (Maintenance Therapy) :

بعد إزالة الاحتباس والتنظيف، يجب منع تكرار الاحتباس والحفاظ على براز ليّن وضمان التبرز اليومي والمنتظم لمنع تكرار الإمساك والسماح للمستقيم بالشفاء واستعادة الإحساس الطبيعي والعودة إلى حالته الطبيعية، وتستمر هذه المرحلة غالباً لعدة أشهر (من 6 إلى 12 شهراً).

  • الأدوية :

استمرار تناول جرعات منخفضة من البولي إيثيلين جلايكول (PEG) يومياً لضمان براز ليناً ولزجاً، سهل المرور يومياً دون ألم أو حاجة إلى الحبس.

كما يمكن استخدام ملينات محفزة (Stimulant Laxatives)  مثل بيساكوديل (Bisacodyl) أو بيكوسلفات الصوديوم (Sodium Picosulfate)، حيث تعمل على تحفيز عضلات جدار القولون للتقلص، وتستخدم أحياناً بالاشتراك مع الملينات التناضحية (مثل PEG) إذا كان الطفل يعاني من ضعف حركية الأمعاء.         .

  • الدعم الغذائي :

زيادة تناول الألياف المكملة ( Fiber Supplements ) مثل السيلليوم (Psyllium)، حيث تزيد من حجم البراز وتساعد على الاحتفاظ بالماء، وتستخدم كجزء من نظام غذائي متكامل، ويجب الحرص على شرب كميات كافية من الماء معها لدعم وظيفة الأمعاء الطبيعية، ولتجنب تفاقم الإمساك.

ملاحظة هامة حول الأدوية النفسية :

في حالات نادرة، قد يصف الأطباء أدوية نفسية، ولكن ليس لعلاج التبرز اللاإرادي نفسه، بل لعلاج الاضطرابات المصاحبة التي تعيق الاستجابة للعلاج السلوكي، مثل :

  • اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD) :

قد تساعد أدوية ADHD في تحسين التركيز والانتباه لإشارات الجسم والحفاظ على جدول الجلوس على المرحاض.

  • القلق أو الاكتئاب :

إذا كانت الأعراض النفسية شديدة وتعيق الحياة اليومية، قد يتم وصف مضادات القلق أو الاكتئاب.

وعلينا هنا أن نضع في الاعتبار أن العلاج الدوائي للتبرز اللاإرادي يركز بشكل كامل على علاج المشكلة الجسدية (الإمساك والاحتباس)، وهو بمثابة جسر يمهد الطريق لنجاح العلاج السلوكي وإعادة التدريب.

ثانياً : العلاج السلوكي :

يقوم العلاج السلوكي على مفهوم أن جميع السلوكيات (بما في ذلك المشكلات السلوكية) هي سلوكيات متعلمة، وبالتالي يمكن إعادة تعلمها أو تعديلها، ويعتمد على نوعين رئيسيين من التعلم :

  • الإشراط الكلاسيكي (Classical Conditioning) :

يركز على تعلم الاستجابات اللاإرادية للمثيرات (مثل ربط صوت الجرس بالطعام)، وفي علاج المشكلات، يمكن استخدامه للمساعدة في إعادة ربط إشارات الجسم بالاستجابة الصحيحة.

  • الإشراط الإجرائي (Operant Conditioning) :

يركز على تعلم السلوكيات من خلال العواقب (النتائج)، فإذا تبع السلوك نتيجة إيجابية، فمن المرجح أن يتكرر (تعزيز)، وإذا تبعته نتيجة سلبية، فمن المرجح ألا يتكرر، وذلك من خلال استخدام ثلاثة استراتيجيات رئيسة وهي :

 (أ) التعزيز الإيجابي (Positive Reinforcement ) :

تقديم مكافأة أو حافز مرغوب فيه بعد ظهور السلوك المرغوب، لزيادة احتمالية تكراره، وذلك من خلال مكافأة الطفل على الجلوس في المرحاض أو شرب السوائل.

(ب) التعزيز السلبي (Negative Reinforcement ) :                       

إزالة مثير غير مرغوب فيه بعد ظهور السلوك المرغوب، من خلال تقليل مهمة غير محبوبة عن الطفل عند التزامه بالجدول.

(ﺟ) النمذجة (Modeling) :

تعلم السلوكيات من خلال ملاحظة الآخرين، مثل عرض سلوك الإخوة في استخدام المرحاض بشكل طبيعي.

تطبيق العلاج السلوكي على التبرز اللاإرادي :

في سياق علاج التبرز اللاإرادي الوظيفي، يُعد العلاج السلوكي جزءاً لا يتجزأ من الخطة العلاجية المتكاملة، ويأتي عادة بعد إكمال المرحلة الطبية (إزالة الاحتباس)، فالهدف السلوكي هو إعادة تدريب المستقيم وتصحيح نمط التبرز.

  • جدول الجلوس على المرحاض (Scheduled Toileting) :

هذا هو العنصر الأكثر أهمية :

  • الروتين :

تحديد مواعيد ثابتة للطفل للجلوس على المرحاض، تكون غالباً مرتين أو ثلاث مرات يومياً ولمدة 5-10 دقائق في كل مرة.

  • التوقيت الاستراتيجي :

يتم تحديد المواعيد بعد حوالي 20 إلى 30 دقيقة من الوجبات الرئيسية (مثل وجبة الفطور أو العشاء)، للاستفادة من منعكس القولون المعدي ( Gastrocolic Reflex )، وهو انقباض طبيعي للقولون يحدث بعد الأكل.

  • نظام المكافآت والتعزيز الإيجابي (Positive Reinforcement System) :

يتم تطبيق المكافآت لتعزيز السلوكيات الصحيحة :

  • مكافأة الجهد، وليس النتيجة :

يجب أن تُكافأ السلوكيات التي يمكن للطفل التحكم بها، وهي الالتزام بالجلوس على المرحاض في الموعد المحدد، وشرب الماء، وتناول الألياف، وليس نجاح التبرز، فهذا يزيل الضغط عن الطفل.

  • المكافآت الرمزية :

استخدام لوحات النجوم أو الملصقات التي تؤدي إلى مكافأة كبرى (مثل لعبة بسيطة أو نزهة) عند تجميع عدد معين من النجوم.

  • الإدارة الفعالة للحوادث (Managing Accidents) :

 

  • تجنب العقاب واللوم :

يتم إرشاد الوالدين والأشخاص المعنيين (كالمدرسة) لتجنب اللوم، التوبيخ، أو إظهار الغضب أو الإحباط أو الاشمئزاز عند وقوع حوادث التسرب، لكسر حلقة الخوف والحبس.

  • الدعم العاطفي والتفسير :

استبدال اللوم بـ التعاطف، والتركيز على مساعدة الطفل في العلاج وليس على نتائج الحوادث، مع إيصال رسالة واضحة للطفل بأن التسرب البرازي عرض جسدي لمرض (الإمساك المزمن)، وهو نتيجة لا إرادية (فيض) للإمساك، وليس مشكلة سلوكية أو أخلاقية أو نتيجة لخطأه أو كسله أو سلوكاً متعمداً، فهذا يقلل من الشعور بالخجل والذنب.

  • التثقيف (Psycho education) :

توفير شرح واضح للطفل والأسرة حول آليات الجهاز الهضمي وكيفية عمل الملينات ولماذا يجب إزالة الاحتباس أولاً، لتمكين الطفل من فهم جسده والمشاركة بفعالية في خطة العلاج.

باختصار، العلاج السلوكي يهدف إلى تصحيح نمط التبرز من خلال بناء روتين ثابت وإيجابي، واستخدام المكافآت لربط المرحاض بالراحة والإنجاز بدلاً من الألم والقلق.

الأدوار الرئيسية للأسرة في العلاج :

يتمثل دور الأسرة في ثلاثة محاور أساسية هي الإشراف الطبي، والقيادة السلوكية، والدعم النفسي.

  • الإشراف على الالتزام الطبي :

يجب على الأسرة ضمان تنفيذ الجزء الطبي من العلاج بدقة، خاصة في مراحل إزالة الاحتباس والاستدامة.

  • إدارة الملينات بدقة :

التأكد من أن الطفل يتناول الجرعات الصحيحة والمحددة من البولي إيثيلين جلايكول (PEG) أو غيره من الملينات بشكل يومي، دون انقطاع، وطوال الفترة التي يحددها الطبيب (والتي قد تمتد لأشهر).

  • متابعة النظام الغذائي والسوائل :

التأكد من حصول الطفل على كمية كافية من السوائل (الماء) والأطعمة الغنية بـالألياف لدعم وظيفة الأمعاء وتسهيل مرور البراز.

  • مراقبة الأعراض :

متابعة وتوثيق عدد مرات التبرز، شكل البراز (باستخدام مقياس بريستول للبراز)، ومراقبة أي علامات للإمساك مجدداً.

  • القيادة في تعديل السلوك (إعادة التدريب) :

الأسرة هي المسؤولة عن تنفيذ خطة العلاج السلوكي في البيئة المنزلية من خلال :

  • تنفيذ جدول الجلوس على المرحاض :

تطبيق روتين صارم ومحدد المدة والتوقيت للجلوس على المرحاض، وذلك طبقاً للبرنامج العلاج الموضوع.

توفير بيئة داعمة :

التأكد من أن مرحاض الطفل مريح، وآمن، ومهيأ (مثل استخدام مسند للقدمين إذا لزم الأمر) لتمكين الطفل من وضعية إخراج صحيحة.

  • استخدام التعزيز الإيجابي :

تطبيق نظام المكافآت أو لوحة النجوم، والتركيز على مكافأة الجهد والالتزام بالسلوكيات العلاجية (مثل الجلوس على المرحاض في الموعد المحدد  وفقاً للجدول، وشرب الماء، وتناول الملينات) بدلاً من مكافأة نتيجة التبرز أو نجاحه.

  • الدعم النفسي والتربوي :

هذا هو الجانب الأكثر أهمية لكسر حلقة الخجل والاحتفاظ بالبراز، من خلال :

  • التثقيف (Psycho education) :

فهم وإيصال رسالة واضحة للطفل بأن التسرب البرازي وليس مشكلة سلوكية أو أخلاقية أو نتيجة لخطأه أو كسله أو سلوكاً متعمداً، فهذا يقلل من الشعور بالخجل والذنب.

  • الدعم العاطفي :

استبدال اللوم بـ التعاطف، والتركيز على مساعدة الطفل في العلاج، وليس على نتائج الحوادث.

  • تجنب العقاب واللوم :

عدم توبيخ الطفل، أو معاقبته، أو إظهار الغضب أو الاشمئزاز عند وقوع حوادث التسرب، فرد الفعل الهادئ للوالدين هو مفتاح لتخفيف قلق الطفل.

  • التواصل مع المدرسة :

العمل كحلقة وصل مع المدرسة لضمان وجود خطة دعم سرية ومرونة في استخدام الطفل للمرافق الصحية، وتثقيف المعلمين حول طبيعة الاضطراب.

فالالتزام، والصبر، والتعاطف هي الركائز التي تقدمها الأسرة، وهي ضرورية لتمكين الجسم من الشفاء (عبر الأدوية) وتمكين الطفل من إعادة بناء الثقة والسيطرة (عبر السلوك).

الأدوار المحورية للمدرسة والمعلمين في العلاج :

يمكن تقسيم دور المدرسة والمعلمين إلى ثلاثة محاور رئيسية الدعم السري، وتسهيل الوصول، والتعزيز الإيجابي.

  • توفير الدعم والتعامل بسرية (Confidential Support) :

أهم دور للمدرسة هو الحفاظ على كرامة الطفل وتقليل الخجل (Shame) الذي يغذي الاحتفاظ بالبراز.

  • السرية المطلقة :

يجب أن يتم التعامل مع حالة الطفل وحوادث التسرب بسرية تامة وعدم مناقشتها مع أي شخص لا يشارك مباشرة في رعاية الطفل (كالمعلمة، ممرضة المدرسة، أو الأخصائي الاجتماعي)، ويجب ألا يعلم الزملاء بالأمر.

  • التعامل الهادئ عند الحادث :

إذا وقع حادث تسرب، يجب على المعلمة أو الممرضة إبعاد الطفل عن الفصل بهدوء دون لفت الانتباه، كما يجب تجنب توبيخ الطفل أو إظهار الاشمئزاز أو الغضب، بل يجب التعامل مع الموقف بتعاطف وهدوء.

  • تسهيل التغيير :

توفير مكان خاص ومريح للطفل لتغيير ملابسه (بما في ذلك الاحتفاظ بملابس داخلية نظيفة ومسحات في خزانة آمنة).

  • التثقيف غير المباشر للأقران :

يمكن للمدرسة العمل على برنامج عام لتعزيز التعاطف وقبول الاختلاف، دون الإشارة إلى أي طفل بعينه، لتقليل التنمر العام.

  • تسهيل الوصول والروتين (Facilitating Access and Routine) :

على المدرسة أن تكون مرنة وتسمح للطفل باتباع جدول التبرز العلاجي.

  • الوصول الفوري للمرحاض :

يجب السماح للطفل بالذهاب إلى المرحاض فوراً عند شعوره بالحاجة، دون قيود أو طلب الانتظار حتى الاستراحة، وهذه النقطة حاسمة، لأن أي تأخير قد يؤدي إلى حبس البراز وتفاقم الاحتباس.

  • دعم الجدول الزمني :

يجب أن يكون المعلمون على دراية بجدول الجلوس على المرحاض الذي أوصى به الطبيب (عادة بعد الوجبات)، والسماح للطفل بأخذ 5-10 دقائق في هذا الوقت، حتى لو كان ذلك يعني خروجه من الصف لفترة قصيرة.

  • توفير مرافق نظيفة :

التأكد من أن المراحيض المتاحة للطفل نظيفة وتوفر الخصوصية، لأن القلق بشأن نظافة المراحيض المدرسية هو سبب شائع لامتناع الأطفال عن التبرز كما أشرنا سابقاً.

  • التعزيز السلوكي الإيجابي (Positive Behavioral Reinforcement) :

المدرسة يمكن أن تكون شريكاً في خطة المكافآت السلوكية للأسرة.

  • مكافأة السلوكيات العلاجية :

يمكن للمعلم أو الأخصائي الاجتماعي أن يقدم تعزيزاً إيجابياً للطفل على الالتزام بأجزاء الخطة التي تقع في نطاق المدرسة (مثل : الذهاب للحمام عند الإشارة، شرب الماء، أو الالتزام بجدول الجلوس).

  • التنسيق مع الوالدين :

التواصل المستمر مع الوالدين حول مدى التزام الطفل بالجدول في المدرسة وأي عقبات تواجهه، لضمان تطبيق موحد ومتسق لخطة العلاج بين المنزل والمدرسة.

باختصار: دور المدرسة هو توفير شبكة أمان عاطفي ولوجستي، وتحويل بيئة الفصل من مكان محتمل للقلق والضغط إلى مكان داعم لنجاح العلاج.

مبادئ العلاج النفسي التحليلي للتبرز اللاإرادي :

بما أن التحليل النفسي يرى الاضطراب على أنه نكوص أو تثبيت في المرحلة الشرجية، فإن العلاج يركز على الخطوات التالية :

  • تفسير الرمزية اللاواعية (Interpretation of Unconscious Symbolism) :

يرى المعالج التحليلي أن التبرز اللاإرادي يحمل معنى رمزياً عميقاً للطفل.

  • العدوانية والسيطرة :

يتم تفسير سلوك التسرب أو حبس البراز كشكل لاواعي للتعبير عن الغضب، العدوانية، أو مقاومة السلطة الأبوية، وقد يكون الطفل غير قادر على التعبير عن الغضب مباشرة فيستخدم الأمعاء كوسيلة للاحتجاج.

  • القيمة الذاتية :

يتم العمل على ربط البراز بمفاهيم القيمة والملكية (البراز كـ”هدية” أو “شيء ثمين”)، ويتم مساعدة الطفل على فصل قيمته الشخصية عن أدائه في المرحاض.

  • القذارة والشعور بالذنب :

يتم تحليل مشاعر الطفل حول النظافة والقذارة وما إذا كان يربط شعوره بالذنب أو النقص بجسده أو بمنتجاته.

  • تحليل الصراع الشرجي (Analyzing the Anal Conflict) :

يركز المعالج على الكيفية التي أدت بها تجارب التدريب على المرحاض إلى صراع داخلي غير محسوم :

  • الكشف عن التثبيت :

يتم تحليل ما إذا كان الطفل يميل إلى شخصية شرجية – احتجازية (العناد، الحبس، القلق المفرط من الفوضى) أو شرجية – طاردة (الفوضى، التخريب).

  • تحليل النكوص (Regression) :

إذا كان الاضطراب قد بدأ بعد حدث صادم (مثل ولادة شقيق)، يتم تحليل النكوص إلى سلوك سابق كوسيلة للتعامل مع القلق الناتج عن الحدث أو المنافسة على اهتمام الوالدين.

  • العمل من خلال العلاقة العلاجية (Working Through the Therapeutic Relationship) :

يتم استخدام العلاقة بين الطفل والمعالج (العلاقة التحويلية) لفهم الصراعات الأبوية :

  • التحويل (Transference) :

قد يعيد الطفل تمثيل مشاعر الغضب أو المقاومة التي يشعر بها تجاه والديه داخل غرفة العلاج مع المعالج، ويقوم المعالج بتفسير هذا السلوك لمساعدة الطفل على فهم كيفية تأثير علاقاته المبكرة على سلوكه الحالي.

  • تخفيف القسوة الأبوية الداخلية :

مساعدة الطفل على تقليل شدة الأنا الأعلى (Superego) القاسي، الذي يولد شعوراً مفرطاً بالذنب والقلق بسبب “الحوادث”.

  • دور الوالدين (Parental Involvement) :

على الرغم من أن التحليل النفسي يركز على الطفل، إلا أن الوالدين غالباً ما يحتاجان إلى توجيه :

  • فهم الرمزية :

يجب مساعدة الوالدين على فهم أن التبرز اللاإرادي ليس عملاً متعمداً، بل هو عرض لصراع داخلي، وهذا الفهم يقلل من اللغة العقابية واللوم، وهي عوامل أساسية لإدامة الاضطراب.

  • تغيير الاستجابة :

توجيه الوالدين لتقديم الدعم العاطفي وتقليل الضغط، مما يفكك حلقة الصراع على السلطة التي كانت تديم الحبس.

من المهم الإشارة إلى أن العلاج النفسي التحليلي ليس هو خط العلاج الأول الموصى به لمعظم حالات التبرز اللاإرادي في الإرشادات الطبية الحديثة.

  • استخدام التحليل النفسي :

يتم اللجوء إلى العلاج النفسي (بما في ذلك العلاج الديناميكي النفسي أو التحليلي) في الحالات التي تفشل فيها التدخلات السلوكية والطبية، أو عندما يكون الاضطراب مرتبطاً بشكل واضح بصدمات نفسية عميقة أو اضطرابات سلوكية مصاحبة لا تستجيب للتدريب وحده.

العلاج السلوكي (Behavioral Therapy) هو نهج علاجي يركز على تغيير السلوكيات غير التكيفية (غير المرغوب فيها) عن طريق تطبيق مبادئ التعلم المثبتة علمياً، وذلك على عكس مدرسة التحليل النفسي التي تبحث في الدوافع والصراعات اللاواعية، ويركز العلاج السلوكي على السلوك الظاهر والملاحظ وكيف يمكن تعلمه أو نسيانه من خلال التفاعل مع البيئة.

المآل والعوامل المؤثرة (Prognosis and Influencing Factors) :

يُظهر ما يقرب من 50% إلى 70% من الأطفال تحسناً ملحوظاً أو شفاءً كاملاً باتباع خطة علاجية متكاملة.

  • عوامل المآل الجيد :

التشخيص المبكر، الالتزام بالعلاج الطبي، وجود دعم أسري إيجابي، وعدم وجود اضطرابات نفسية أو سلوكية مصاحبة.

  • عوامل المآل السيئ :

التأخر في العلاج، ضعف الالتزام بالملينات، والضغط الأسري المفرط أو العقاب، وتزامن الاضطراب مع مشكلات نفسية أخرى (مثل اضطراب التحدي والمعارضة).

همسة الختام : استعادة نغمة السلام والثقة

في ختام رحلتنا العميقة في طيات اضطراب التبرز اللاإرادي، ندرك أن القصة أعمق بكثير من مجرد معضلة في تفاصيل جسدية، إنها تحد يلامس جوهر الروح، ويهدد سلامة الثقة بالنفس في قلب الطفولة.

لقد تجلت لنا الحقيقة، أن طفلنا الغالي ليس مذنباً، وأن هذا التسرب المفاجئ هو غالباً صدى فيسيولوجي غير إرادي لاحتباسٍ مؤلم، وإنها حلقة مفرغة تتغذى على الخوف، ولا يمكن كسرها بحدة الزجر أو قسوة اللوم، بل بالاحتضان الدافئ للعلم والرحمة، وأن مفتاح العودة إلى النور يكمن في وحدة الجهود، كألحانٍ متناسقة تُعزف معاً من خلال التدخل الطبي، الذي يعمل على تخفيف العبء الجسدي بأيدي الرعاية، وإزالة الاحتباس كأننا نزيل غيمة كثيفة عن سماء صافية، والعناق الأسري، لتقديم مرفأ الأمان العاطفي، وكسر جدار الخوف الذي يغذي الحبس، ليتحول القلق إلى طمأنينة، وإعادة التدريب اللطيف، من خلال دعم السلوك لإعادة وصل الجسد بالعقل، واستعادة الثقة في الإشارات المفقودة برفق وصبر.

وعندما تتضافر هذه الأركان كأجنحة فراشة، فإننا لا نعالج وظيفة جسدية فحسب، بل نعيد للطفل شعوره المسلوب بالسيطرة (Control)، ونحرره ليحلق في فضاء طفولته، بعيداً عن قيود الخجل وظلال القلق.

التعافي ممكن، والإيمان به هو الخطوة الأولى، فلتكن هذه النهاية خاتمة لحالة العزلة والهمس، ولتكن البداية لصفحات جديدة مفعمة بالإنجاز والفخر والثقة الداخلية، برعايتنا المتكاملة، نساهم في بناء أجيال تسير على الأرض بكامل سلامها الداخلي ويقينها الذاتي.

الدكتور أيمن فرج البرديني 

وكيل وزارة الشئون الإجتماعية شمال سيناء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى