السوشيال ميديا وتنظيم الوقت في رمضان: كيف نوازن بين الشاشة والعبادة؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
يأتي رمضان كل عام محمّلًا بوعد خفي بإعادة ترتيب حياتنا، ليس فقط في الطعام والشراب، بل في الأولويات والوقت والعلاقات… ومع ذلك، يفاجأ كثيرون بأن الشهر يمضي سريعًا دون أن يحققوا ما تمنّوه من عبادات أو إنجازات، والسبب لا يكون دائمًا ضغوط العمل أو الالتزامات، بل حضورًا صامتًا يسرق ساعات اليوم دون أن نشعر: السوشيال ميديا.
تشير تقارير DataReportal إلى أن الإنسان المعاصر يقضي عدة ساعات يوميًا على المنصات الرقمية، وفي رمضان تتضاعف هذه الساعات بسبب السهر، والفراغ بين الإفطار والسحور، وزيادة المحتوى الترفيهي. وهنا يتحول الشهر من مساحة للسكينة إلى موسم للاستهلاك الرقمي.
*لماذا نضيع وقتًا أطول في رمضان؟
في رمضان يتغيّر الإيقاع اليومي، وتزداد فترات الفراغ.. هذه المساحات الزمنية تجعل الهاتف الخيار الأسهل والأسرع لملء الوقت. يبدأ الأمر بدقائق، ثم يتحول إلى ساعات من التصفح العشوائي، والمقاطع القصيرة، والمقارنات الاجتماعية التي تسرق الطاقة دون أن نشعر.
كما أن المحتوى الرمضاني نفسه يصبح عامل جذب إضافي، حيث تمتلئ المنصات بالمشاهد الترفيهية، والدراما، والوصفات، مما يجعل الانفصال عنها أكثر صعوبة.
*السوشيال ميديا… المشكلة أم طريقة الاستخدام؟
وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا.. فهي قد تكون مصدر معرفة وإلهام، وقد تكون بابًا للتشتت. الفرق الحقيقي يكمن في طريقة الاستخدام.
هناك من يدخل المنصات بهدف محدد، وهناك من يدخل بلا وعي فيفقد الإحساس بالوقت. ويصف علماء النفس هذه الحالة بـ”الانزلاق الرقمي”، حيث ينتقل الإنسان من محتوى إلى آخر دون إدراك.
في هذه الحالة، يتأخر الإنسان عن الصلاة، ويؤجل القرآن، ويضطرب نومه، فيضعف تركيزه طوال اليوم.
*رمضان فرصة لإعادة ضبط علاقتنا بالتكنولوجيا
رمضان ليس فقط شهرًا للامتناع عن الطعام، بل هو تدريب عملي على التحكم في الرغبات والعادات.. ومن هنا يمكن أن يكون فرصة لإعادة تعريف العلاقة مع الهاتف، من علاقة إدمان إلى علاقة إدارة.
يمكن للإنسان أن يسأل نفسه: هل أستخدم التكنولوجيا، أم أنها تستخدم وقتي؟ هذا السؤال البسيط هو بداية التغيير.
*خطوات عملية لتنظيم الوقت بين السوشيال ميديا والعبادة
١- تحديد أوقات واضحة للاستخدام
بدلًا من التصفح المفتوح، يمكن تخصيص أوقات محددة بعد الإفطار أو قبل النوم.
٢- التخطيط اليومي، من خلال تقسيم اليوم إلى فترات: بعد الفجر للقرآن، قبل الإفطار للدعاء، بعد التراويح للراحة أو التعلم.. هذا التنظيم يمنح شعورًا بالسيطرة والهدوء.
٣- تقليل الإشعارات:
الإشعارات المتكررة تسرق التركيز، لذلك فإن تقليلها يخلق مساحة ذهنية للسكينة.
٤- اختيار المحتوى الواعي
متابعة الحسابات التي تدعم الأهداف الروحية والمعرفية.
*الصيام الرقمي… مفهوم جديد لوعي أعمق
ظهر في السنوات الأخيرة مفهوم “الصيام الرقمي”، وهو الامتناع المؤقت عن الاستخدام غير الضروري للتكنولوجيا.. هذا المفهوم ينسجم مع فلسفة رمضان التي تهدف إلى تحقيق التوازن الداخلي.
وتشير أبحاث Pew Research Center إلى أن التحكم في الاستخدام الرقمي يرتبط بزيادة الرضا النفسي وتقليل التوتر، وهو ما يحتاجه الإنسان في هذا الشهر.
*كيف نحول السوشيال ميديا إلى قوة إيجابية؟
بدلًا من أن تكون وسيلة استهلاك فقط، يمكن أن تصبح أداة تأثير من خلال:
▪️نشر القيم الإيجابية
▪️دعم المبادرات المجتمعية
▪️مشاركة التجارب الملهمة
▪️تشجيع الآخرين على التوازن
هنا تتحول المنصات من عبء إلى رسالة.
*وختاماً.. بين الإشعار والدعاء
رمضان ليس دعوة لترك التكنولوجيا، بل لتطويعها، فالنجاح الحقيقي ليس في عدد الساعات التي نقضيها بعيدًا عن الهاتف، بل في قدرتنا على التحكم فيه.
فبين إشعار وآخر قد تضيع لحظة دعاء،
وبين مقطع وآخر قد تضيع فرصة قرب،
لكن بين قرار وآخر يمكن أن يولد إنسان أكثر وعيًا.
رمضان فرصة لاختبار هذه القدرة.
ومن نجح في إدارة وقته فيه، نجح في إدارة حياته بعده.




