الصيام مدرسة لتربية الضمير الحي

بقلم / الدكتور أمين رمضان
هناك انفصال واضح بين واقع المسلمين أفراد وأسر ومجتمعات، وبين ما كان يجب أن يكونوا عليه لو كان انتمائهم للإسلام انتماء حقيقي، الأشجار الحية تؤتي ثمارها ليعيش عليها أفراد المجتمع، المسلم الذي يؤدي الشعائر أداءاً حياً يظهر ذلك في أخلاقه وقيمه التي يتعامل بها في المجتمع، فتكون ثماره طيبة، ويكون مجتمعه آمن، وهذا ينطبق على كل العبادات، لكني سأركز في هذه السلسلة من المقالات على الصيام، لعلنا نفوز بصيام يربي النفوس ويسعد المجتمع.
كثيرًا ما يظن أغلب الناس أن الصيام مجرد عملية امتناع مادي عن الطعام والشراب والشهوات، تبدأ بطلوع الفجر وتنتهي بغروب الشمس. لكن النظرة المتفحصة للنصوص القرآنية تكشف لنا أن هذا الامتناع البدني ليس مقصوداً لذاته، بل هو وسيلة لأداة تربوية ضخمة تهدف إلى إيقاظ “الحارس الداخلي” في الإنسان، وهو ما يسميه القرآن “التقوى”، ويسميه علم النفس “الضمير”.
إن الهدف الأول والأخير من فريضة الصيام محدد بوضوح في الآية التي شرعت الصيام، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة: 183).
فالغاية هي “التقوى”. والتقوى ليست كلمة غامضة، بل هي حالة شعورية تعني حساسية الضمير، والخشية المستمرة، والحذر الدائم من الوقوع في مخالفة أوامر الله. إنها الحارس اليقظ القابع في أعماق النفس الذي يكف الجوارح عن المعاصي حتى حيث لا تراقبه عين بشر ولا يطاله قانون أرضي، أو يدفع الإنسان إلى الشعور بالندم حين يرتكب مخالفة أو معصية، ويأخذ بيده إلى طريق التوبة.
في مدرسة رمضان، يتدرب المسلم تدريباً عملياً قاسياً على هذه المراقبة الذاتية. فالصائم يستطيع أن يختلي بنفسه ويأكل أو يشرب دون أن يراه أحد، ولكنه لا يفعل. لماذا؟ لأن ذلك الضمير الحي الذي أيقظه الصيام يهمس في قلبه أن الله مطلع عليه. هذا الامتناع الطوعي عن “المباحات” (الطعام والشراب والشهوات) يربي في النفس القدرة على الامتناع عن “المحرمات” (الكذب، الغش، الظلم) من باب أولى، تخيلوا أي مجتمع يندر فيه الكذب والغش والظلم والاحتكار، كيف سيعيش أفراده؟
وتأتي خواتيم آيات الصيام لتؤكد هذا المعنى، فبعد بيان الأحكام والحدود، يعقب القرآن بقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (سورة البقرة: 187).
إن هذا الربط المتكرر بين الصيام والتقوى يشير إلى أن الإسلام لا يعتمد في إصلاح الفرد والمجتمع على العقوبات الظاهرية فحسب، بل يعتمد أساساً على هذا الضمير الذي يتربى في مدرسة الصوم متصلاً بالله. فبغير هذا الرباط الداخلي لا تقوم شريعة، ولا يفلح قانون، ولا يتحرج متحرج عن ارتكاب المحرمات.
إذن، نحن في رمضان أمام دورة تدريبية مكثفة لمدة ثلاثين يوماً، المفروض أن نخرج منها بضمائر حية، وقلوب تقية، تستشعر رقابة الله في السر والعلن، وتلك هي الضمانة الحقيقية لاستقامة الحياة وسعادة المجتمع.
الدكتور / أمين رمضان
29 شعبان 1447 ه
17 فبراير 2026 م



