أراء وقراءات

العلاقات الأسرية في رمضان: حين تعود القلوب إلى بيوتها

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

في عالمٍ تتسارع فيه الإيقاعات الرقمية وتزداد فيه المسافات النفسية رغم القرب الجسدي، يصبح رمضان مساحة زمنية نادرة لعودة الدفء الأسري، وكأن هذا الشهر يقول لنا: قبل أن تُصلحوا العالم، أصلحوا بيوتكم.

تشير دراسات اجتماعية حديثة، منها أبحاث Pew Research Center، إلى أن الطقوس المشتركة تُعد من أهم العوامل التي تعزز الترابط الأسري والشعور بالانتماء. ورمضان يمثل نموذجًا مثاليًا لهذه الطقوس؛ فهو يجمع الأسرة حول مائدة واحدة، ووقت واحد، وشعور روحي مشترك. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل نستثمر هذه الفرصة فعلاً، أم نتركها تمر دون وعي؟

*لماذا تتحسن العلاقات في رمضان؟

في هذا الشهر، يتباطأ إيقاع الحياة. تقل الضغوط، وتزداد اللقاءات، وتعلو القيم الروحية مثل الصبر والتسامح. هذه البيئة النفسية تجعل الإنسان أكثر استعدادًا للاعتذار، وأكثر قدرة على الاحتواء.

فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل تدريب على ضبط الانفعال. وعندما يقل التوتر، تتحسن جودة الحوار داخل الأسرة، كما أن الشعور الجماعي بالعبادة يخلق حالة من القرب العاطفي.. فالصلاة معًا، وتبادل الدعاء، ومشاركة لحظات السحور، كلها ممارسات تعيد بناء الجسور التي قد تكون تصدعت خلال العام.

*مائدة الإفطار… أكثر من طعام

لا تقتصر أهمية الإفطار على كونه وقتًا لتناول الطعام، بل هو طقس اجتماعي عميق، في هذه اللحظة اليومية، يجتمع الجميع دون أجهزة أو انشغالات، ويتبادلون الحديث، ويشعرون بالانتماء.

إنها فرصة لسؤال الأبناء عن يومهم، والاستماع إلى مخاوفهم، وإعادة اكتشاف بعضنا البعض.

لكن المفارقة أن بعض الأسر تحوّل هذه اللحظة إلى صمت جماعي أمام الشاشات. وهنا تضيع قيمة الطقس، ويتحول الإفطار من لقاء إنساني إلى مجرد عادة.

*السوشيال ميديا… ضيف غير مرغوب فيه

رغم أن رمضان يجمع الأسرة، فإن الهاتف قد يفرّقها..فبين مقطع وآخر، تختفي الحوارات، ويصبح كل فرد في عالمه الخاص. وتشير تقارير DataReportal إلى ارتفاع استخدام المنصات في رمضان، خاصة في ساعات الليل.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي للأسرة المعاصرة ليس فقط في الاجتماع الجسدي، بل في الحضور النفسي.

قد نجلس معًا، لكن عقولنا في أماكن أخرى.

*رمضان كفرصة لإصلاح العلاقات

كثير من القطيعة بين الأقارب تستمر لسنوات بسبب مواقف صغيرة أو سوء فهم، رمضان يمنحنا شجاعة المبادرة، لأن الروح تكون أكثر صفاءً.. رسالة بسيطة، أو زيارة قصيرة، قد تفتح بابًا أغلقته الأيام.

كما أن تعليم الأبناء ثقافة الصلح والتسامح في هذا الشهر يغرس فيهم قيمًا تمتد طوال حياتهم.

*دور الوالدين في بناء الوعي الأسري

الأسرة ليست مجرد مكان للعيش، بل مدرسة للقيم.. عندما يرى الأبناء والديهم يمارسون الحوار، والاحتواء، والتعاون، فإنهم يتعلمون دون توجيه مباشر.

يمكن استثمار رمضان في: جلسات حوار أسبوعية، أنشطة خيرية مشتركة، قراءة القرآن جماعيًا، مناقشة القيم والسلوكيات.

هذه الممارسات تخلق ذاكرة أسرية إيجابية، وتمنح الأبناء إحساسًا بالأمان والانتماء.

*وختاماً .. رمضان اختبار حقيقي للعلاقات

في النهاية، قد ينتهي رمضان، لكن أثره يمكن أن يبقى، العلاقات الأسرية لا تُبنى بالصدفة، بل باللحظات الصغيرة المتكررة.

وإذا نجحت الأسرة في استثمار هذا الشهر، فإنها لا تكتسب فقط أيامًا جميلة، بل تبني مناعة نفسية تحميها من التفكك.

رمضان ليس فقط موسمًا للعبادة الفردية، بل مشروعًا لإحياء الروابط الإنسانية.

دكتورة هناء خليفة 

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى