القوة الناعسة
بقلم الفنان / أمير وهيب
اتذكر في فترة السبعينيات و ما هو مسجل و محفوظ من خزينة عهد الطفولة ، أن اول مرة انتبه لما يعرف ب ” الجورنال ” ، كنا في نهاية شهر أكتوبر ١٩٧٣ ، قرب نهاية شهر رمضان و قبل العيد و بعد إعلان الانتصار و كان يوم أحد ، و كنا عائدين من الكنيسة و كان من ضمن الطقوس أن نذهب الي منزل جدتي صباحا بعد القداس ، و كانت جريدة الأخبار تنشر يوم الأحد ” خريطة الاسبوع ” للتليفزيون و الإذاعة ، و كان الخبر المدوي هو إذاعة ” مدرسة المشاغبين ” ، سيقوم التليفزيون المصري بإذاعة مدرسة المشاغبين في العيد و كان وقع الخبر و تاثيره على السامعين مفاجأة مدهشة جدا مصحوبة باتفاقيات على مكان المشاهدة.
و انا شخصيا ، كنت من ضمن الذين شاهدوا المسرحية عند عمتي بعد أن أفرغت غرفة السفرة من الترابيزة الضخمة و قامت بترصيص كراسي بدل منها و قامت بتحويل الغرفة الي سنيما صغيرة.
و منذ هذا التاريخ ، و بعد إجادة القراءة ، كان الجورنال بالنسبة لي هو الاخبار ، و استشراف التليفزيون يوم الاحد من ضمن قائمة الشغف و احمد رجب ( نص كلمة ) و نبيل عصمت ( عزيزي ) و مصطفى حسين ( كاريكاتير ) هو القراءه و كانت مفيدة جدا و قبل كل هذا حظك اليوم.
و كان التليفزيون المصري ، التعليمي التوعوي ، المتفوق ، في هذه الفترة ، يقوم بعرض فيلم عربي يوم الخميس الساعة ٢:٣٠ ظهرا ، و عند معرفة أنه سوف يقوم بعرض فيلم ” ابن حميدو ” أو ” في بيتنا رجل ” تنتابني حالة من اليقظة و الاستعداد من يوم الأحد الي يوم الخميس تزداد توتر أثناء الحصة الأخيرة يوم الخميس متأهب الانطلاق.
* الملحوظة و المعلومة المؤكدة من واقع معايشة ، أن التليفزيون ، و متابعة الافلام و المسلسلات و المسرحيات ، و الاعجاب ب ” الممثل ” هو عقيدة مصرية ، كل المصريين ، بكل فئاتهم الاجتماعية و أعمارهم يعشقون ” الممثلين “.
* و حضور الأطفال و المراهقين أمام أبواب السنيما يؤكد أن نسبتهم تتجاوز الخمسين في المائة ما يثبت أن التمثيل هو يناسب الأطفال و المراهقين من حيث الفكر.

* حتى شاهدت ، الرسام ، المدعو ” بيكاسو ” في فيلم تسجيلي مصاحب لمهرجان ” كان ” السنيمائي الفرنسي ، و شاهدت ما لم يكن متوقع ، كل المصورين تركوا الممثلين أصحاب المهرجان و قاموا باستقبال الضيف الوافد بطريقة مبهرة لازلت محفورة في ذهني و قلبي.
* و بعدها وضعت هذا المشهد ضمن قائمة أهدافي و منذ سنة ١٩٨٢.
* و ترك سؤال هام هل ال ” رسام ” اهم من ” الممثل ” ؟
* على ما يبدو أنه سؤال سهل جدا بالنسبة للمصريين و المؤسف أنه محسوم أيضا بالنسبة للإعلاميين و مدعي الثقافة و الفكر و يتجلى المشهد المؤسف المسف في استضافة الممثلين في ندوات ثقافية.
* نعم ، مصر حاليا تستمد ثقافتها و توعيتها عن طريق الممثلين.
* و قرات مؤخرا أكثر من مقال لقائمة من الصحفيين آخرهم جمال الشاعر ( ملحق الجمعة ) يشكو مندهش من عدم اهتمام جيل ” زد ” z بعظماء علماء مصريين و يقترح حل ساذج بأن تعاد مراجعة أسماء الشوارع و استبدالها بهؤلاء كنوع من التوعية للأجيال القادمة.
* المشكلة قائمة و تتفاقم و قد ذكرت مرات عديدة أن الحل الصحيح يكون عن طريق اول خطوة صحيحة ، فهل اول خطوة صحيحة هي استبدال أسماء الشوارع ؟؟
* كنت محظوظ و ساعد على ذلك عوامل عديدة من ضمنها الموهبة و حبي للرسم في أن اتعرف على جوهر التعليم و العلم و الفكر و الثقافة و الاعلام و التوعية و الذي يمكن تلخيصه في كلمتين و بس ” الفنون الجميلة “.
* ليس انحياز و تحيز ، ما هو علم هو علم و ما هو ترفيهي هو ترفيهي. و مصر رئاسة و حكومة و شعب ، و بإصرار مريب يريد تحويل الترفيهي الي علم.
* كل الصحفيين اللهم حالات استثنائية ، لا يعلم ذكر خمسة اسماء لفنانين تشكيليين ، و يكتب عن قوة مصر الناعمة و يقصد التمثيل.
* هي قوة مصر الناعسة و ليست الناعمة ، و هي سبب الانحلال الأخلاقي و تدني الذوق العام و مسخرة معمارية و استبدال النماذج العلمية بالنماذج الترفيهية و بدل ما جيل زد يطمح أن يكون احمد زويل أصبح يتمنى أن يكون أحمد زوربا.
* الدول العظمى الممثلين قبل الإعلاميين يحترمون الفنان التشكيلي باعتباره النموذج و القائد.
أمير وهيب
فنان تشكيلي وكاتب ومفكر




