الكلاب الضالة بين مسؤولية الدولة ووعي المجتمع: معركة إنسانية في شوارع مصر

في شوارع المدن المصرية، حيث تختلط حركة الناس بضجيج السيارات، يطل ملف الحيوانات الضالة والمتروكة كقضية مجتمعية ساخنة تتجاوز حدود الرفق بالحيوان لتلامس الأمن والصحة العامة. اجتماع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي الأخير مع الوزراء والمسؤولين المعنيين لم يكن مجرد جلسة إدارية، بل إشارة واضحة إلى أن الدولة قررت مواجهة هذا الملف الشائك بجدية، عبر خطة متكاملة تجمع بين الإيواء، التحصين، والتعقيم، في محاولة لإعادة التوازن بين الإنسان والحيوان في الفضاء العام.
مراكز إيواء: خطوة نحو الحل أم مجرد بداية؟
أحد أبرز محاور الخطة هو إنشاء مراكز إيواء للكلاب الضالة بعيدًا عن الكتل السكنية، حيث تم تخصيص أراضٍ في القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية. هذه الخطوة تعكس إدراك الحكومة أن الحل لا يكمن في الإجراءات المؤقتة، بل في بناء منظومة مستدامة تضمن التعامل الإنساني مع الحيوانات، وتخفيف المخاطر التي قد تهدد المواطنين. لكن يبقى السؤال: هل تكفي هذه المراكز وحدها لمواجهة الظاهرة المتنامية؟
التحصين والتعقيم
الأرقام التي عرضتها الهيئة العامة للخدمات البيطرية تكشف حجم الجهد المبذول؛ أكثر من 121 ألف كلب تم تحصينه ضد السعار، و8311 كلبًا جرى تعقيمه خلال عام واحد. هذه الإجراءات ليست مجرد بيانات إحصائية، بل تعكس توجهًا علميًا للحد من تكاثر الكلاب الضالة وتقليل احتمالات انتشار الأمراض. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجهود يتوقف على الاستمرارية والتوسع، لا على الحملات الموسمية.
المجتمع المدني: شريك لا غنى عنه
الملف لا يمكن أن يُدار حكوميًا فقط؛ الجمعيات الأهلية العاملة في مجال الرفق بالحيوان تمثل ضلعًا أساسيًا في المعادلة، سواء عبر توفير أماكن إضافية للإيواء أو المشاركة في برامج التعقيم. التنسيق بين الدولة والمجتمع المدني هو الضمانة الوحيدة لتحقيق نتائج ملموسة، وإلا ستظل الجهود متفرقة وغير قادرة على إحداث التغيير المطلوب.
الواجب الإنساني أم الأمن العام
القضية تحمل وجهين متناقضين؛ فمن ناحية، هناك واجب إنساني في حماية الحيوانات من القسوة والإهمال، ومن ناحية أخرى، هناك ضرورة لحماية المواطنين من المخاطر الصحية والأمنية المرتبطة بانتشار الكلاب الضالة. التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد صيغة توازن بين هذين البعدين، بحيث لا تتحول الشوارع إلى ساحات صراع بين الإنسان والحيوان، بل إلى فضاء مشترك تسوده المسؤولية والوعي.
مسار جديد
اجتماع رئيس الوزراء يمثل بداية مسار جديد في التعامل مع ملف الكلاب الضالة، لكنه ليس نهاية الطريق. النجاح يتطلب إرادة سياسية مستمرة، دعم مجتمعي واسع، وتغيير ثقافي في نظرة الناس إلى الحيوانات. القضية ليست مجرد “ملف إداري”، بل معركة إنسانية على الأرصفة، تحدد مدى قدرة المجتمع على الجمع بين الرحمة والنظام.




