المدينة الذهبية التى دمرتها “لِس”

كتبت – د.هيام الإبس
ذات يوم رأي سيدنا سليمان عليه السلام غراباً عجوزاً انهكته السنين، ولاحظ أن احدي عينيه مفقودة ، فسأله عن السبب، فأجابه الغراب : إنها قصة طويلة مليئة بالغرابة، فطلب سيدنا سليمان عليه السلام من الغراب أن يقص عليه قصته، فقال الغراب : عندما كنت في ريعان شبابي، كنت لا أترك ركناً من الجو الفسيح إلا جلته، وكنت أحلق بين السماء والارض واسبح لله عز وجل الذى خلق الكون، وفي يوم من الأيام بينما أن محلق في الهواء، رأيت ضوءاً ينبعث من الأرض، كانها أشعة الشمس، فدنوت شيئاً فشيئاً من الضوء لأري ما مصدره، ورأيت أمر عجيب حقاً.
فقال سيدنا سليمان : ماذا رأيت ؟
فأجاب الغراب : كانت بلدة مبنية أسوارها من “الذهب” وجدرانها كلها من “الذهب”، وفيها من الأنعام والخيرات وكل شئ، وكل ما يمكن أن يذكره الإنسان تجده هناك .
-فسأله سيدنا سليمان عليه السلام : ماذا عن أهلها ؟
فقال الغراب : كرمهم فاق كل كرم، فما عهد الغراب أن يكرمه الإنسان، نعم قد أكرمني أهلها بعيراُ نُحر لأجلي، و مكثت هناك شهوراً ثم غادرتهم لأجول من جديد في باقي بقاع الأرض والسماء، وبعد عدة سنوات عدت إلى هذه البلدة، فوجدتها قد أصبحت كلها “فضة” ولم يعد هناك سور “ذهبي”، والأهالي أيضاً أكرموني هذه المرة ولكن بشاةٍ، بقيت عندهم شهوراً قليلة ثم ذهبت وأنا لا اعرف سبب هذا التغير، فسأله سيدنا سليمان عليه السلام : هل عدت إليهم من جديد ؟
فقال الغراب : أجل عدت بعد عام، و لكن حال البلدة ساءت أكثر؛ لقد بنيت هذه المرة من “نحاس”، و لم أحظى إلا بدجاجة فقد قلت خيراتهم و أنعامهم، أكلت الدجاجة و عدت أدراجي أكمل رحلاتي.
-مرت سنة أخرى ثم عدت لأتفقد أحوال هذه البلدة، لعل حالها قد عاد لما كان عليه، ولكن هيهات، فقد وجدتها مدينة “طينية” أهلها لا يجدون ما يأكلون، ضاعت منهم كل أرزاقهم، دنوت من أهلها لأعرف سبب هذا و لم أتمكن إلا من سماع أن هذا الفقر سببه “الحية” اللعينة، و إذا بي أصاب بحجر فقأت عيني لقد كانت من صبي أراد اصطيادي ليأكلني من شدة الجوع، فهربت مسرعاً ولم أعرف شيئاً عن هذه “الحية”، وما ذنبها في فقرهم، وهذه هي قصة فقداني لعيني في هذه المدينة العجيبة.
وبعد سماع قصة الغراب، قرر سيدنا سليمان عليه السلام زيارة هذه المدينة ليعرف تفاصيل أحوالها الغريبة، و طلب من الغراب أن يدله عليها.
وعندما وصل إليها سيدنا سليمان سأل أهلها عن سبب فقرهم، فأخبروه أن منع خيراتهم كانت بئر كبيرة بالمدينة، وكانت المدينة مبنية من “الذهب”، وذات يوم أتت “حية” عظيمة سكنت البئر، وبدأت تقل موارد البلدة شيئاً فشيئاً حتي أصبح من المستحيل إخراج الحية من البئر، لان الرمال قد غطتها بالكامل، وبالتالي ساء حال أهل البلدة حتي أصبحوا لا يجدون ما يأكلوه، فأمر سيدنا سليمان عليه السلام الريح أن تهب علي البئر لتخرج منها الرمال، وبعدها خرجت الحية من البئر بعد أن حبستها الرمال هناك لسنوات، فضربها سيدنا سليمان عليه السلام وجنوده علي رأسها حتي ماتت، كان إسم الحية هو “لِس”.
فاقتلع سيدنا سليمان نابيها(كانا كبيرين نظراً لعظمة الأفعى التي ملأت بئراً) و جعلهما باباً كبيراً للمدينة، و سميت بذلك المدينة “نابُ لِس” و مع مرور السنين أصبح ينطق اسمها “نابلس” .




