المرأة السودانية… الجسر الصلب الأخير بين الخراب والحياة

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في السودان، المرأة ليست مجرد عنصر في المشهد… هي العمود الذي يمنع البيت من السقوط، هي الجدار الذي تتكئ عليه العائلة حين ينهار كل شيء من حولها.
ومهما حاولت الحرب أن تنتزع قوتها، تبقى المرأة السودانية واحدة من أكثر الوجوه التي تُلخّص معنى الصمود في بلدٍ ينزف ولا يركع.
في لحظات كهذه، يتراجع حضور الرجال إما بسبب القتال، أو الاعتقال، أو الفقد، وتظهر النساء في الواجهة.
المرأة السودانية التي كانت توازن بين احتياجات الأسرة اليومية، صارت تقود الرحلة في طريق النزوح، تختار الاتجاه، تدير الغذاء، توزع الماء، تحرس الأطفال، وتقاوم الانهيار النفسي كي لا ترى أعينهم الخوف في وجهها.
البيت الذي كان يقوم على توزيع الأدوار، صار يقوم على عاتقها وحدها.
ومع ذلك ما زالت تكرّر: سيعود كل شيء كما كان
ليس لأنها تصدّق ذلك تماماً، بل لأنها تحتاج إلى جملة تربط البيت المكسور ببقايا الأمل.
فمنذ بداية الأزمة، ظهرت المرأة في مقدمة المشهد الإنساني.
كانت أول من يجمع الأطفال في لحظة فزع، وأول من يربط الجرح، وأول من يبحث عن طريق آمن للنزوح.
لا تنتظر توجيهات ولا أوامر… تعرف ما يجب فعله، وتفعله بصمتٍ يشبه المعجزة.
لكن خلف هذا الصمت، هناك حكاية ثقل، وحزن، ومسؤولية مضاعفة.
المرأة التي تحمي الجميع ولا تجد من يحميها
سلط مجلس الأمن الدولي الضوء على “الأزمة داخل الأزمة”، حيث تتعرض الالاف النساء والفتيات لعنف جنسي منهجي واستغلال، مع دعوات دولية لفرض حظر شامل على الأسلحة.
ورغم ذلك يوجد غيرهم يحولن بيوتهن إلى مطابخ جماعية.
ورأينا أخريات يقفن في طوابير الخبز بالساعات، فقط ليضمنّ لأطفالهن وجبة تُبقي الجسد على قيد الحياة.
ورأينا أمهات يقطعن مسافات طويلة مشيًا، يحملن حقائب أكبر من أجسادهن… يحملن الحياة كلها على ظهورهن.
ومع كل هذا، لا يظهر اسم المرأة في نشرات الأخبار ولا تُذكر تضحياتها في المؤتمرات.
الحرب تُضيء على الرجال في ساحات القتال، لكنها لا ترى النساء اللاتي يقاتلن بطريقة مختلفة، ولكنها أكثر وجعًا.
المرأة بين الفقد والصبر
مأساة المرأة السودانية اليوم ليست فقط في الخوف، بل في الفقد.
فقدت الزوج، الأخ، الابن، والأب…
وفي كل مرة تبكي، تمسح دمعتها بسرعة كي لا يخاف الأطفال.
الحرب دفعت نساءً كثيرات إلى دور لم يخترنه:
- الأم التي أصبحت أبا.
- الزوجة التي أصبحت المعيل الوحيد.
- الطالبة التي صارت مسؤولة عن عائلة كاملة.
- الفتاة التي لا تزال صغيرة لكنها تحمل عقل امرأةٍ نضجت قبل الأوان.
هذا النضج ليس بطولة… بل ضرورة قاسية فرضتها الحرب.
حكايات صغيرة… لكنها تختصر وطنًا
في أحد مراكز النزوح، كانت امرأة توزع الخبز على الناس.
سألها أحد المتطوعين: “أنت نفسك محتاجة… ليه ما تخذي نصيبك؟”
فابتسمت وقالت: “أنا أقدر أصبر… لكن في أطفال ما بيستحملوا”
هذه الجملة وحدها تلخّص روح المرأة السودانية: تُقدّم الآخرين قبل نفسها، حتى وهي جائعة، مُنهكة، وحزينة.
ومع ذلك، يجب أن نقول الحقيقة كما هي: الحرب أخذت من المرأة أكثر مما أخذت من أي فئة أخرى.
جرّدت الكثيرات من الأمان، ومن الحقوق، ومن القدرة على التخطيط للمستقبل.
النساء يتعرضن للعنف، وللتهجير، وللانكسار النفسي والجسدي، ولا تُقدّم لهن الحماية الكافية.
لكن رغم كل هذا، ما زالت المرأة السودانية واقفة…
لا لأنها لا تتألم، بل لأنها تعرف أن سقوطها يعني سقوط عائلة كاملة.
المرأة… الجسر الأخير بين الخراب والحياة
حين تنهار الدول، تلعب المرأة دور “الحارس الأخير”
هي التي تحافظ على ما تبقى من المجتمع، من الأخلاق، من الروح.
وما تفعله المرأة السودانية اليوم ليس مجرد صمود… بل فعل إنقاذ وطني بكل معنى الكلمة.
لولاها، لانقطع الخيط الأخير بين السودان وبين الحياة.
ستبقى المرأة السودانية رمزًا لهذا الزمن الصعب، وستبقى قصصها جزءًا من الذاكرة التي سيكتبها الوطن يومًا حين يضيء الضوء من جديد.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








