الهجرة الحقيقية: صلاح القلب لا مكان السكن

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي
الهجرة في الإسلام ليست مجرد انتقال جسدي من بلد إلى آخر، بل هي رحلة قلبية وروحية، يهاجر فيها الإنسان من المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن التعلق بالناس والأماكن إلى التعلق بالله ورسوله. الحديث الشريف الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي يفتح لنا بابًا لفهم عميق: أن الهجرة ليست بالمسافة، وإنما بالنية والعمل.
معنى الهجرة في الحديث الشريف
جاء أعرابي يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الهجرة، فأجابه بأن شأنها شديد، ثم وجّهه إلى أداء الزكاة والصدقة، مؤكداً أن العمل الصالح لا يضيع عند الله، حتى لو كان الإنسان بعيدًا عن المدينة. الإمام النووي علّق بأن الهجرة المقصودة هي ملازمة النبي في المدينة، لكن النبي خشي على الأعرابي من ضعف قدرته على ذلك، فدلّه على طريق آخر للهجرة: العمل الصالح حيث هو.
الهجرة القلبية أهم من الهجرة المكانية
ليس المهم أين يسكن المرء، ولا مع من يعيش، بل المهم ماذا يفعل وكيف يعبد الله. فابن سلول عاش في المدينة وصلّى خلف النبي، لكنه لم ينفعه ذلك، بينما عجائز الجزيرة اللواتي آمنّ برسالته دون أن يرينه نلن الأجر العظيم.
البيئة ليست عذرًا
صحيح أن البيئة قد تشجع على الطاعة أو تدفع إلى المعصية، لكن الأجر على قدر المجاهدة. إبراهيم عليه السلام عبد الله وحده في زمن لم يكن فيه أحد يعبده، ورجل من حاشية فرعون آمن سرًا ودافع عن موسى رغم بيئة القصر الطاغية.
الأشخاص ليسوا حجة
لا يجوز تعليق الطاعة أو المعصية على الزوج أو الزوجة أو الأهل. آسيا بنت مزاحم كانت زوجة فرعون، لكنها سجدت لله وقالت: “سبحان ربي الأعلى”. زوجتا نوح ولوط كانتا كافرتين، ومع ذلك لم يمنع ذلك الأنبياء من أداء رسالتهم. فصلاحك أو فسادك مسؤوليتك أنت وحدك.
القرابة لا تعني النجاة أو الهلاك
في كل عائلة هناك الصالح والطالح: إبراهيم كان له أب مشرك، والنبي صلى الله عليه وسلم كان له عمٌّ كافر ذمّه الله في القرآن، بينما آسيا كانت زوجة طاغية ومع ذلك صارت من أعظم المؤمنات. فلا تُعيّر أحدًا بقرابته، فالهداية والضلال بيد الله وحده.
هجرة القلب إلى الله ورسوله
الهجرة الحقيقية هي هجرة القلب إلى الله ورسوله، وليست مجرد انتقال جسدي أو تغيير مكان. البيئة والأشخاص والقرابة قد يكون لهم أثر، لكنهم ليسوا عذرًا أمام الله. فالمؤمن الحق هو من يثبت على الطاعة مهما كانت الظروف، ويجاهد نفسه ليبقى قلبه مهاجرًا إلى الله، حتى لو كان بعيدًا عن المدينة أو محاطًا بالمعاصي.



