الوسطية والتوازن في النسق الإنساني والكوني

كتب – الدكتور أمين رمضان
تحدثت في مقال سابق عن كيف يمكن أن يعيد شهر الصيام التوازن بين أشواق الروح وحاجات الجسد. والحقيقة أن التوازن أو الوسطية مطلوبة لأنها حجر الزاوية لاستقرار النظم الوجودية كلها، بدءاً من الجسيمات الدقيقة وصولاً إلى المجتمعات البشرية والأنظمة البيئية والكون. لا يقتصر مفهوم “الميزان” على كونه قيمة أخلاقية مجردة، بل هو قانون كوني وقاعدة نفسية واجتماعية تضمن البقاء والارتقاء. إن تحقيق التوازن يتطلب رؤية تكاملية تربط بين المنظور القرآني والمنطلقات العلمية الحديثة في علم النفس والاجتماع والبيئة. إن أي اختلال في توازن الفرد النفسي ينعكس بالضرورة على أدواره الاجتماعية واستدامة المحيط البيئي، مما يجعل العودة إلى “نموذج الميزان” ضرورة حتمية لمعالجة أزمات الحضارة المادية المعاصرة.
لذلك نجد أن الآيات التي ذكرت الوسطية والتوازن مبثوثة في ثنايا آيات القرآن الكريم، ومنها:
﴿وَٱلسَّمَاۤءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِیزَانَ﴾ [الرحمن ٧]
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِیزَانَۗ ….﴾ [الشورى ١٧]
﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَـٰهَا وَأَلۡقَیۡنَا فِیهَا رَوَ اسِیَ وَأَنۢبَتۡنَا فِیهَا مِن كُلِّ شَیۡءࣲ مَّوۡزُونࣲ﴾ [الحجر ١٩]
﴿وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ….﴾ [البقرة ١٤٣]
التأصيل المعرفي والدلالي لمفهوم الوسطية
تتجاوز الوسطية في المنظور اللغوي والشرعي مفهوم “المنتصف الحسابي”، لتصل إلى دلالات نوعية تعبر عن الذروة والأفضلية.
- الأبعاد اللغوية: تدور مادة (وسط) حول العدل، والنصف، والخيار، والأجود. فالوسط هو “الذروة النوعية” التي تتجنب عيوب الأطراف المتطرفة.
- الجَعْل الإلهي: يصف النص القرآني الأمة الإسلامية بـ “الأمة الوسط”، وهو وصف يتجاوز المدح ليشمل التكليف بالشهادة والعدل، والبعد عن الغلو والجفاء.
الأبعاد الوظيفية للوسطية
البعد الدلالي: الأثر الوظيفي في الحياة
العدالة والإنصاف: تحقيق الاستقرار المجتمعي ومنع التغول الفردي أو الجماعي.
الخيرية والأفضلية: دفع الفرد نحو الإتقان (الإحسان) في كافة شؤونه المادية والمعنوية.
البينية والاعتدال: توفير منطقة الأمان والبعد عن المخاطر الكامنة في الأطراف (الإفراط والتفريط).
الاستقامة والسمو: بناء شخصية متسقة مع الفطرة، قادرة على الفعل الإيجابي.
التوازن النفسي والديناميكا السلوكية
يمثل التوازن في علم النفس حالة انسجام بين العمليات المعرفية (الأفكار والمعتقدات) والعواطف والسلوك، وهو ما تترجمه نظريات حديثة تلتقي مع مفهوم “الفطرة”.
- نظرية التوازن (نموذج P-O-X)
يقترح فريدز هايدر أن الإنسان يسعى فطرياً للحفاظ على علاقات متوازنة مع الآخرين والأفكار لتجنب التوتر النفسي. ينشأ الاختلال عندما يحدث تناقض في المواقف تجاه قضية معينة، مما يدفع الفرد لتغيير موقفه لاستعادة “التناغم المعرفي”.
- التوازن الزمني (BTP) وأثره الصحي
يشير منظور الوقت المتوازن إلى القدرة على التنقل المرن بين خبرات الماضي، ووعي الحاضر، وتخطيط المستقبل. الأفراد الذين يفتقدون هذا التوازن (بالانغماس في آلام الماضي أو قلق المستقبل) هم الأكثر عرضة للاضطرابات النفسية، بينما يعزز التوازن الزمني “المرونة النفسية”.
إدارة صراع الأدوار في النسق الاجتماعي
يُعرّف الفرد اجتماعياً من خلال أدواره المتعددة (أب، زوج، أخ، أخت، موظف، مواطن الخ…)، ويمثل التوازن بينها التحدي الأكبر لاستقرار الشخصية.
- صراع الأدوار: ينشأ عند تضارب متطلبات دورين مختلفين (مثل العمل والأسرة).
- ضغوط الدور: عندما تفوق متطلبات دور واحد طاقة الفرد الجسدية أو النفسية أو المادية.
- الحل الوقائي: يقدم المنهج النبوي قاعدة “إعطاء كل ذي حق حقه” كمنهج عملي لمنع “الاحتراق النفسي” الناتج عن تغليب دور على آخر.
آليات التكيف مع صراعات الأدوار
صراع الأدوار: “ترتيب الأولويات بناءً على “”فقه الموازنات”” وتحديد الضروريات.”
ضغوط الدور: وضع أهداف واقعية، تفويض المهام، والاتصال الفعال.
غموض الدور: توضيح الحدود والصلاحيات لتجنب الضيق النفسي.
فقدان الدور: بناء هوية مرنة ترتكز على القيم الكلية بدلاً من المسميات المؤقتة.
التوازن الكوني والمسؤولية البيئية
يربط مفهوم “الميزان” بين انتظام الكون والسلوك البشري. إن أي خلل يحدثه الإنسان في بيئته هو “طغيان في الميزان” الإلهي الذي يحكم الوجود. ﴿وَٱلسَّمَاۤءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِیزَانَ (7) أَلَّا تَطۡغَوۡا۟ فِی ٱلۡمِیزَانِ ( وَأَقِیمُوا۟ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُوا۟ ٱلۡمِیزَانَ (9)﴾ [الرحمن 7-9]
- الدقة الكونية: تثبت العلوم أن أي تغيير طفيف في ثوابت الجاذبية أو الغلاف الجوي كان سيمنع نشوء الحياة، وهو ما يعبر عنه القرآن بـ “كل شيء موزون”.
- فلسفة الاستخلاف: البيئة ليست مادة للاستغلال الجائر، بل هي “أمانة” يفرض ضياعها مسؤولية أخلاقية وجزائية.
ركائز التوازن البيئي
- التقدير: خلق الله سبحانه وتعالى كل شيء بقدر وحساب دقيق للحفاظ على التنوع البيولوجي.
- الحماية: النهي عن الإفساد وتلويث الموارد الأساسية (الماء والهواء)، أو الأنظمة البيئية.
- الإعمار: اعتبار غرس الأشجار وإحياء الموات جزءاً من التكليف التعبدي.
- الرحمة: الإحسان لكافة الكائنات الحية كمنطلق للعلاقة مع الطبيعة.
التوازن في إدارة الأزمات
في أوقات الكوارث، تبرز “المرونة النفسية” كأداة لاستعادة التوازن. يساهم المنهج الوسطي في بناء هذه المرونة من خلال:
- اليقين: الإيمان بأن “مع العسر يسرين” لتقليل القلق الوجودي.
- القبول والالتزام: تقبل الحقائق المؤلمة مع الالتزام بالفعل الإيجابي الممكن.
- الدعم الاجتماعي: تفعيل قيم التكافل لتقليل وطأة الأزمات على النسق المجتمعي.
التوصيات الاستراتيجية لتحقيق نموذج التوازن المستدام:
- فردياً: تطوير مهارات إدارة الأدوار المتعددة وتزكية النفس لتحقيق “إيجابية سوية”.
- تربوياً: إحياء مفاهيم “الأمة الوسط” والعدالة في المناهج التعليمية لمكافحة الغلو والتطرف.
- بيئياً: تفعيل “ميثاق الميزان” كإطار تشريعي وأخلاقي لحماية البيئة والتحول للاقتصاد الأخضر.
- علاجياً: تشجيع النماذج التكاملية في الطب النفسي التي تدمج بين العلم الحديث والقيم الروحية لتعزيز المرونة النفسية.
الخلاصة
تعتبر الوسطية أو التوازن ضرورة بيولوجية ونفسية واجتماعية وكونية، لجودة الحياة لجميع المخلوقات، والمجتمع، والبيئة الحيوية، والكون.
الدكتور / أمين رمضان
7 رمضان 1447 هـ / 25 فبراير 2026 م
.
