الوعي.. حارس العقول

كتب – الدكتور أمين رمضان
في ظل طوفان المعلومات من أخبار وأحداث وبرامج وأفلام ومسلسلات، التي تهجم على حواسنا ليلاً ونهاراً، أكثرها الغث والضار والسم والإشاعات، وأقلها الثمين والمفيد والعسل والحقائق. أمام هذا الهجوم الكاسح والمدمر نحتاج إلى حارس يقظ يحمى عقولنا، يشبه هيئة المعايير والمقاييس في المؤسسات والدول المتقدمة التي لا تسمح بإنتاج أو استيراد شيء إلا إذا كان مطابقاً للمعايير التي وضعتها الدولة، وبالتالي تصبح المعايير مرشحات لقبول كل ما يتم استيراده أو إنتاجه. هذا الحارس عند الإنسان هو الوعي، فلا يسمح بمرور فكرة أو شعور أو معلومة إلا إذا كان مطابقاً لمعاييرنا الراسخة.
، والمعايير هي المرشحات مثل: اللغة، القيم، والمعتقدات، والذكريات العميقة، والقرارات، والطريقة التي يتعامل بها الشخص مع المعلومات.
تعريف الوعي
يعرف الوعي بأنه “إدراك الزمان والمكان الآن”، مهمته المقدسة هي حماية قلعة العقل من كل ما يخالف فطرة الإنسان وقناعاته، تماماً كما قال الله تعالى في محكم تنزيله:
(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا] (سورة الإسراء، الآية 36[
خداع الوعي
هنا سؤال مهم: هل يمكن خداع الوعي وإدخال معلومات تخالف قناعات صاحبها؟
إذا تأملت جيداً الإعلانات التجارية التي تبث على كل وسائل السوشيال ميديا خصوصاً، والإعلام عموماً على مستوى العالم، ستجد الكثير منها يمارس خداع الوعي والدخول إلى لا وعي المشاهد ليزرع فيه ما يريد من سموم. إيقاع الإعلانات وتغيير الصور الملونة والأضواء بسرعة شديدة، ووجود نساء شيه عاريات راقصات في معظم الإعلانات، والكلمات المستخدمة في الإعلانات، ستجدها قادرة على تغييب الوعي، والتأثير في اللاوعي بسهولة.
السؤال: هو كيف يحدث ذلك؟
إذا عرفنا أن عدد ما يستوعبه الوعي من معلومات محدود جداً، فالوعي يستوعب 7-9 معلومات في اللحظة الواحدة، وفقا للعدد السحري The Magic number (7±2) الذي اكتشفه جورج ميلر. في الإعلانات كم المعلومات الهائل مع سرعة تغيير الصور والألوان والأصوات والحركات، يسبب إجهاد للوعي، ويسمى “إثقال الوعي”، وعندما يصل الوعي لهذه الحالة يسقط مجهداً، ويفتح اللاوعي أبوابه ليلتهم كل ما يلقى إليه دون فحص أو تدقيق، وكأن الإنسان في غيبوبة، كم منا ضاعت منه أشياء عندما كان مجهداً دون أن يلاحظ؟!
الخارطة الذهنية: العالم كما نراه لا كما هو
تشكل المعلومات التي تدخل العقل ما يسمى بالخارطة الذهنية، وهي تمثيل ذهني للعالم الخارجي، وليست العالم الخارجي، تماماً مثل قائمة الطعام التي تقدم لنا في المطاعم، القائمة ليست هي الوجبات، ومثل خرائط المدن التي تراها على جهاز الموبايل عندما تستخدم الـ GPS للوصول إلى جهة ما، فالخارطة ليست هي الأماكن.
نحن نتعامل مع الخارطة الذهنية على أنها العالم الذي نعيشه ونتعامل معه، أو بتعبير أدق تصبح هي نموذج العالم الخاص بالشخص الذي يراه، فنماذج الأشخاص عن العالم تتعدد وتختلف باختلاف الأشخاص والمجتمعات، حتى في الأسرة الواحدة، قد يختلف نموذج العالم بين الزوج والزوجة للدرجة التي تؤدي إلى الطلاق أحياناً، والحقيقة أن سبب الطلاق الحقيقي هو عدم قدرة كل طرف على استيعاب نموذج الطرف الآخر المختلف والتكامل معه، مع أن هذا الاختلاف يتيح لكل منهما اتساع في رؤية العالم الحقيقي الخارجي.
صراع الشرق والغرب
حتى الصراعات الكبرى بين الشرق والغرب هي في جوهرها صدام بين “نماذج ذهنية” متباينة؛ من شيوعية ورأسمالية وإسلامية وغيرها. ولعل أشد ما يؤلم هو تلك الصورة المشوهة عن المسلمين، والتي كانت نتاجاً لتضافر التضليل الخارجي والداخلي مع غياب الوعي. لقد تحولنا إلى “لقمة سائغة” حين غاب وعينا عن هويتنا ورسالتنا في الحياة. وكما وصف الأديب توفيق الحكيم حال الأمة بعد انكسار 1967 بـ “عودة الوعي”، فإننا لا نزال ننتظر تلك اليقظة الشاملة.
مع الأسف الصورة الذهنية المشوهة عن المسلمين في العالم، ووصمهم بالإرهاب، هي صناعة حملات التضليل الإعلامي عالميا ومحليا، حتى صرنا لقمة سائغة يلتهما الآن الشرق والغرب وعملاءه معاً أمام أعيننا.
الخلاصة
عندما نتبنى أفكار أو معتقدات أو كلمات خاطئة، بدون وعي، عن الحياة أو أنفسنا أو الآخرين أو الأحداث أو الأشياء، تتحول هذه الأفكار إلى نموذج مشوه ومختلف عن الحقيقة، فنعيش خارج التاريخ والجغرافيا.
الدكتور / أمين رمضان
22 رمضان 1447 ه / 12 مارس 2026 م




