سياحة و سفر

بالصور :أقنعة تكشف الحقيقة.. طقوس “بورتو نوفو” في بنين تتحول إلى تجربة سياحية ثنائية الروح؟

كتبت – د. هيام الإبس

في عالمٍ تُستخدم فيه الأقنعة عادةً للتخفي أو التجميل، اختارت العاصمة السياسية لبنين، “بورتو نوفو”، أن تجعل منها وسيلةً لإظهار الحقيقة والموروث الثقافي؛ حيث تحوّل “مهرجان الأقنعة الدولي” إلى منصة تعيد قراءة التاريخ الإفريقي، جاذبةً أنظار السياح والباحثين عن تجارب ثقافية تتجاوز النمط التقليدي.

تجسيد أسطوري في قلب العاصمة

على مدار يومين، استعادت شوارع المدينة تألقها التاريخي بظهور شخصيات أسطورية مثل:

  • إيغونغون

  • زانغبيتو

  • غويليدي

ارتفعت طقوسها الإيقاعية وحركاتها الراقصة لتنقل الحاضرين من خانة “المشاهدة الاستعراضية” إلى حلقة نقاش حية مع التاريخ. ولم تعد الأقنعة في المفهوم المحلي مجرد أدوات مصنوعة من الخشب أو القماش، بل رُكائز رمزية تُعبّر عن الاتصال بين الأجيال المتعاقبة.

يقول أستاذ الثقافة والتراث ماهوغنون كاكبو:

“لكل حضارة أقنعتها، والقناع هنا ليس وسيلة لإخفاء الهوية بل لإظهار المعنى. هناك أقنعة مقدسة تحمل رسائل روحية، وأخرى شعبية تعكس نبض الحياة اليومية؛ وجميعها تتحدث بلغة يفهمها من يمتلك مفاتيح رموزها.”

ملتقى دولي بلغة الحركة والرقص

تجاوز المهرجان أبعاده المحلية ليتحول إلى ملتقى دولي تستضيف فيه بنين ثقافة الأقنعة من دول ومجتمعات متعددة. وجاء هذا الامتداد ليصنع مظلات تواصل عابرة للغات، حيث حلّت الإيقاعات والرقصات التعبيرية محل الخطابات الرسمية المعتادة.

وقد انعكس هذا البُعد على تجربة الزوار؛ إذ أشار السائح “مارتن كروز”، الذي قضى أسبوعين في بنين، إلى أن الفضول الأولي للمشاهدة سرعان ما تحول إلى رغبة في الفهم العميق، موضحاً أن التعرف على هذه الثقافة يتطلب الاقتناء القرائي والاطلاع على الجذور التاريخية إلى جانب التوثيق البصري.

استراتيجية سياحية قوامها “الانغماس الثقافي”

تندرج هذه الفعالية ضمن استراتيجية سياحية تُعيد بنين من خلالها التموضع على خارطة السياحة الثقافية الإفريقية. وتعتمد هذه الرؤية على التحول في المفاهيم:

  • السياحة العابرة: التخلي عن الاكتفاء بالتقاط الصور للمقومات الطبيعية أو الأثرية.

  • سياحة الانغماس: إتاحة الفرصة للزائر للتعايش مع الطقوس والتفاعل المباشر مع حراس التراث.

تتقاطع هذه الخطوة مع توجهات دول إفريقية أخرى مثل (غانا، ورواندا، والمغرب)، والتي تسعى لتطوير قطاع السياحة الثقافية باعتباره أحد المحركات الاقتصادية الواعدة، عبر التركيز على الهوية المحلية كمنتج سياحي فريد.

معادلة الاستدامة: بين الترويج والصون

يواجه المهرجان، بالتوازي مع نجاحه الجماهيري، تحدياً يتمثل في الحفاظ على أصالته الروحية والرمزية أمام مخاطر التسقيع (التسويق التجاري البحته) والسطحية التي قد تفرضها الانتشارية عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وتسعى الجهات المنظمة إلى إيجاد توازن دقيق بين:

  1. المتطلبات التسويقية لجذب السياح.

  2. صون القيمة التراثية للطقوس ومنع تفريغها من مضامينها الإنسانية والدينية.

خلاصة المشهد: يرسخ مهرجان “بورتو نوفو” تجربة استثنائية تؤكد أن التراث الحيّ، حين يُقدّم بأصالة ووعي، يظل الأداة الأكثر قدرة على مد جسور التواصل بين الشعوب وتعريف العالم بجذور مجتمعاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى