
كتبت – د.هيام الإبس
في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة التي مر بها السودان
شهدت ولاية القضارف، أمس الأحد، توتراً أمنياً لافتاً عقب تحركات عسكرية متبادلة بين مجموعتين مسلحتين مواليتين للجيش، حيث لم يعد الصراع مقتصراً على جبهات المواجهة التقليدية، بل امتد إلى داخل المعسكرات المتحالفة نفسها.
ووفق مصادر محلية، اندلع الخلاف على خلفية افتتاح مكتب تنظيمي داخل الولاية، ما أدى إلى احتكاكات ميدانية تخللتها عمليات احتجاز محدودة.
وأوضحت المصادر أن مجموعة يقودها مصطفى تمبور اعترضت على خطوة مماثلة لفصيل آخر يتزعمه النذير عبد الرحمن، معتبرة أن الخطوة تمت دون تنسيق، وهو ما دفع عناصرها إلى التحرك ميدانياً ومنع الافتتاح واحتجاز عدد من قيادات الفصيل المنافس.
في المقابل، شرع الفصيل الآخر في حشد عناصره تحسباً لأي تصعيد، بينما تداولت المنصات المحلية مراسلات رسمية بين الطرفين بشأن تفويض فتح المكتب، إضافة إلى شكوى قدمتها مجموعة تمبور حول المحتجزين.
وبين هذه التطورات، حذرت قيادات أهلية في القضارف من احتمال انزلاق الوضع إلى مواجهات مسلحة داخل المدينة، في ظل غياب ترتيبات واضحة لتنظيم نشاط المجموعات الداعمة للجيش، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة إدارة التحالفات العسكرية في زمن الحرب.
وفي موازاة هذا التوتر المحلي، برزت قراءة عسكرية مختلفة لمسار الحرب على المستوى القومي.
فقد أكد اللواء أمين إسماعيل مجذوب، القائد السابق للفرقة السادسة مشاة، أن العمليات دخلت مراحلها النهائية، مشيراً إلى تحول تدريجي في موازين القوى لصالح القوات المسلحة، ولفت إلى ما وصفه بـ«تآكل القوة الصلبة» لقوات الدعم السريع، نتيجة ضربات مركزة طالت بنيتها العسكرية واللوجستية، وتراجع قدرتها على الاحتفاظ بالمواقع، إلى جانب مؤشرات ضعف في الانضباط داخل بعض تشكيلاتها.
غير أن التطورات الميدانية في دارفور تكشف أن مسار الحرب لا يزال مفتوحاً على احتمالات خطرة، فقد أعلن مجلس الصحوة الثوري نجاة زعيم قبيلة المحاميد موسى هلال من محاولة اغتيال بطائرة مسيرة استهدفت مقر الضيافة في بادية مستريحة بشمال دارفور. وأشار المجلس إلى أن القصف طال المستشفى المحلي ومنازل مواطنين وسرادق عزاء، بينما تحدثت مصادر عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم أحد أبناء هلال.
ويأتي هذا التصعيد في سياق علاقة متوترة بين هلال وقوات الدعم السريع، بعد إعلان الأول تأييده للجيش، وتبادل الاتهامات بشأن مقتل مستشار بارز مطلع العام.
كما فاقم رعاية الدعم السريع لتجمع قبلي موازٍ داخل المحاميد حالة الانقسام، ما يعكس كيف باتت البنية القبلية نفسها ساحة للصراع وإعادة التموضع.
على الصعيد الدولي، تتكثف الضغوط لدفع الأطراف نحو هدنة إنسانية تمهد لمسار سياسي، فقد أعلن مسؤول في الإدارة الأمريكية ، أن الرئيس دونالد ترامب سيعرض ملامح خطة جديدة لدعم جهود إنهاء النزاع، فيما أكد مستشاره للشؤون الإفريقية والشرق الأوسط مسعد بولس أن واشنطن تعمل مع شركائها لإطلاق مسار سياسي يتضمن وقفاً لإطلاق النار وفتح ممرات إنسانية، مع ترتيبات لإصلاحات عسكرية وأمنية بإشراف دولي.
وبحسب مصادر مطلعة، تسلم الجيش وقوات الدعم السريع النسخة النهائية من مقترح التسوية، في ظل دفع من الآلية الرباعية نحو اتفاق إنساني عاجل، بينما أشادت واشنطن بدور تحالف قوى الثورة (صمود) في بلورة مسارات الحل السياسي.
في الوقت ذاته، اعتبرت منظمة “ذا سنتري” أن العقوبات الأمريكية الأخيرة على ثلاثة من قادة الدعم السريع تمثل خطوة مهمة لكنها غير كافية، داعية إلى توسيع نطاق الضغوط لتشمل شبكات الدعم المالية والاقتصادية المرتبطة بالقوة.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عقوبات على الفاتح عبد الله إدريس آدم، وجدو حمدان أحمد محمد، والتيجاني إبراهيم موسى محمد، متهمة القوات بارتكاب انتهاكات واسعة خلال حصار الفاشر.
وبينما تتحرك الدبلوماسية الأمريكية، يبرز قلق داخل الخرطوم من تنامي الحضور الخارجي لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، بعد زيارته إلى أوغندا ولقائه الرئيس يوري موسيفيني في عنتيبي، وذلك بعد أيام من استقبال الأخير لنائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار.
وترى دوائر قريبة من المجلس السيادي أن هذه التحركات قد تمنح دقلو زخماً سياسياً إضافياً في وقت لا تزال فيه المعركة العسكرية مفتوحة.
هكذا تتقاطع خطوط الصراع: توترات داخل المعسكر الواحد في القضارف، محاولات اغتيال في دارفور، قراءات عسكرية تتحدث عن اقتراب الحسم، وضغوط دولية تطرح هدنة مشروطة بإصلاحات عميقة.
وبين رهانات الحسم العسكري ومقتضيات التسوية السياسية، يقف السودان عند مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد السؤال فقط من يسيطر على الأرض، بل من يمتلك القدرة على صياغة اليوم التالي للحرب دون أن تنفجر جبهات جديدة من الداخل.





