تقارير وتحقيقات

تصعيد عسكري وتدهور إنساني في كردفان.

الأبيض بين الاشتباكات والتحذيرات الدولية

كتبت – د. هيام الإبس

تشهد ولاية شمال كردفان تصعيداً عسكرياً لافتاً يعكس تعقيدات المشهد الميداني في السودان، حيث اندلعت اشتباكات بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في منطقة الدانكوج، على بعد نحو 34 كيلومتراً شمال مدينة الأبيض.

ووفق مصادر ميدانية، تباينت الروايات بشأن السيطرة على المنطقة، إذ تداولت قوات الدعم السريع تسجيلات تتحدث عن إحكام قبضتها على الدانكوج، في مقابل مقاطع مصوّرة لجنود من الجيش يؤكدون استمرار وجودهم وسيطرتهم على مواقعهم، في صورة تعكس ضبابية الوضع الميداني وصعوبة التحقق من مآلات المواجهة.

ويمتد هذا الغموض إلى محيط مدينة بارا، حيث نفذت القوات المسلحة عمليات عسكرية في مناطق تخضع لسيطرة الدعم السريع دون الكشف عن تفاصيل نتائجها، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول أهداف هذه التحركات وحدود تأثيرها.

في السياق ذاته، برزت تقارير دولية صادرة عن مختبر الشؤون الإنسانية بجامعة ييل، استندت إلى صور أقمار صناعية تحدثت عن تحصينات ترابية عند مداخل مدينة الأبيض، واعتبرت أنها قد تشير إلى استعدادات لحصار محتمل.

غير أن مصادر محلية نفت هذه القراءة، موضحة أن السواتر الظاهرة تعود إلى مبادرة مجتمعية قديمة لأغراض تأمينية، وهو ما يعكس فجوة متكررة بين التقديرات الدولية والقراءات المحلية للواقع.

ورغم الجدل حول نوايا الحصار، فإن المعطيات الإنسانية على الأرض لا تخلو من مؤشرات مقلقة. فقد أظهر تحليل حديث لصور الأقمار الصناعية توسعاً ملحوظاً في المساكن المؤقتة للنازحين داخل مدينة الأبيض خلال النصف الأول من يناير، مع زيادة تقدر بنحو 780 مسكناً خلال أقل من أسبوعين، ما يعكس موجة نزوح جديدة نحو عاصمة الولاية.

كما رُصدت أضرار في محطة الكهرباء بالمدينة، تزامنت مع تقارير عن تعرضها للقصف، إضافة إلى توثيق هجوم بطائرة مسيّرة في حي الجلابية أودى بحياة عشرة أشخاص، بينهم ثمانية من أسرة واحدة، وفق مصادر محلية.

وتزداد الصورة قتامة مع رصد زيادة واضحة في أعداد المدافن داخل مقبرتي زندي والدليل، حيث ظهرت عشرات التلال الجديدة، في مؤشر إضافي على ارتفاع كلفة العنف على المدنيين.

وفي موازاة ذلك، تسعى السلطات المحلية والقوى المجتمعية إلى الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر الحياة، خصوصاً في قطاع التعليم.

ففي شمال كردفان، استقبلت ثلاث محليات أكثر من 2600 طالب من النازحين، إلى جانب معلمين قدموا من مناطق غير آمنة في غرب وجنوب كردفان، وسط اكتظاظ المدارس ونقص حاد في المقاعد والمواد التعليمية.

وأعلنت الإدارة التعليمية عن خطة تمتد لثلاث سنوات لإنشاء فصول ومكاتب جديدة، في محاولة لضمان استمرارية العملية التعليمية رغم التحديات.

ولا يختلف الوضع كثيراً في ولاية غرب كردفان، حيث جرى استئناف امتحانات المرحلة الابتدائية في مدينة المجلد الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، مع تخصيص ثلاثة مراكز امتحانية لأكثر من 700 طالب وطالبة، وتوفير إجراءات أمنية لتأمينها.

ويصف تربويون هذه الخطوة بأنها رسالة تحدٍ للواقع الأمني، ومحاولة للحفاظ على حق الطلاب في التعليم بعد فترات طويلة من التوقف.

وفي ملف النزوح، أفادت تقارير أممية بمغادرة مئات الأشخاص من مدن الدلنج وكادوقلي باتجاه ولاية النيل الأبيض، حيث تحاول السلطات هناك احتواء تداعيات النزوح المتزايد.

وفي هذا الإطار، أعلنت القوة الأمنية المشتركة في مدينة كوستي تعاملها مع حادث إطلاق نار وتوقيف أحد المشتبه بهم، مؤكدة أن انتشارها يهدف إلى الحد من مظاهر الانفلات الأمني التي باتت مصدر قلق متزايد للسكان.

على الصعيد العسكري، حققت القوات المسلحة تقدماً وُصف بالاستراتيجي في مناطق شرق الحمادي وكازقيل وصولاً إلى علوبة والرهد، ما أدى إلى تقليص نفوذ الدعم السريع في هذا المحور الحيوي، وقطع خطوط إمداده وتحركه.

وتُعد السيطرة على هذا المثلث الجغرافي نقطة ارتكاز متقدمة تعزز حضور الجيش في الإقليم، وتمنحه قدرة أكبر على تأمين القرى والطرق التجارية.

غير أن هذا التقدم لم يوقف حدة المواجهات، إذ اندلعت اشتباكات عنيفة في مناطق حدودية بين ولايتي شمال كردفان والخرطوم، استخدمت فيها المدفعية الثقيلة والطيران المسيّر.

ووفق مصادر عسكرية، شنت قوات الدعم السريع هجوماً مباغتاً على مواقع الجيش على طول طريق الصادرات، في محاولة لإحكام سيطرتها على الطريق الحيوي الممتد نحو أم درمان، بينما تمكن الجيش من صد الهجوم في مناطق عدة، مكبداً خصمه خسائر كبيرة.

وفي خضم هذه التطورات، تبادلت الأطراف الاتهامات بشأن استهداف المدنيين.

فقد اتهم تحالف السودان التأسيسي، المرتبط بالدعم السريع، الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش بشن هجمات على قرى في كردفان، أسفرت، بحسب بيانه، عن مقتل مئات الرعاة وفقدان المئات. وتأتي هذه الاتهامات في ظل غياب تحقيقات مستقلة قادرة على التحقق من الروايات المتضاربة.

دولياً، صعّد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من لهجته، داعياً إلى وقف الهجمات على المنشآت المدنية وفتح ممرات آمنة للسكان.

وحذر من أن الاعتداءات على البنية التحتية قد ترقى إلى جرائم حرب، مشيراً إلى إفادات عن إعدامات خارج إطار القانون واستخدام ممنهج للعنف الجنسي، مع التأكيد على ضرورة توسيع نطاق التحقيقات الدولية لتشمل جميع الانتهاكات المرتكبة في السودان.

وفي بعد إقليمي لا يقل خطورة، كشفت مصادر محلية عن تحركات روسية متزايدة في إفريقيا الوسطى، شملت تجنيد مجموعات من الرعاة السودانيين على الشريط الحدودي، في إطار مهام أمنية مشتركة، ما يثير مخاوف من تدويل الصراع وتداخل المصالح الإقليمية مع النزاع السوداني.

وفي المقابل، برزت تحركات إنسانية لدعم المتضررين، من بينها اتفاقية وقعتها وكالة إماراتية مع الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، لتخصيص 11 مليون دولار لدعم اللاجئين السودانيين والمجتمعات المضيفة في دول الجوار.

وبين تصاعد المعارك، واتساع رقعة النزوح، وتداخل الأبعاد الدولية والإقليمية، تبدو كردفان اليوم إحدى أكثر بؤر الصراع تعقيداً في السودان، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الكلفة الإنسانية الباهظة، في وقت لا تلوح فيه في الأفق القريب مؤشرات حقيقية على تهدئة شاملة أو مسار سياسي قادر على كبح هذا الانحدار المتسارع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى