تقدم ميداني يعيد رسم خريطة الصراع في جنوب كردفان
النيل الأزرق وسط تصعيد في خطاب الدعم السريع وحراك دولي في بورتسودان

كتبت – د. هيام الإبس
تشهد الحرب في السودان تطورات متسارعة تعكس تحولاً ملحوظاً في موازين القوة على عدد من الجبهات، في وقت يتصاعد فيه الخطاب السياسي والعسكري لقوات الدعم السريع وحلفائها، بالتوازي مع تحركات دولية متزايدة تسعى لاحتواء النزاع وتخفيف تداعياته الإنسانية.
ففي جنوب كردفان، أعلن الجيش السوداني تحقيق تقدم ميداني مهم بعد نجاحه في فتح طريق الدلنج، الذي ظل مغلقاً لأشهر نتيجة سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من المنطقة، ما أعاد المدينة إلى واجهة الصراع باعتبارها إحدى العقد الاستراتيجية في الولاية.
في المقابل، قلل القيادي في تحالف “تأسيس” المحسوب على قوات الدعم السريع، سليمان صندل، من أهمية دخول الجيش والقوات المتحالفة معه إلى الدلنج، معتبراً أن هذه الخطوة لن تؤثر على موقف التحالف، بل تمنحه – بحسب تعبيره – مزيداً من الصبر والعزيمة.
وأكد صندل، في منشور على صفحته بموقع فيسبوك، أن قوات التحالف ستواصل مواجهة القوات التي دخلت المدينة، متوعداً بالتصدي لها داخل الدلنج نفسها، في مؤشر على نية واضحة لمواصلة القتال وعدم القبول بالأمر الواقع الجديد.
هذا التشدد في المواقف لم يقتصر على تصريحات صندل، إذ ذهب مستشار قائد قوات الدعم السريع، الباشا طبيق، إلى أبعد من ذلك حين وصف استمرار القتال بأنه “ضرورة حتمية لا رجعة عنها”، في خطاب يعكس تصعيداً سياسياً وعسكرياً لافتاً من قيادة الدعم السريع خلال الساعات الماضية.
وتأتي هذه التصريحات في أعقاب التقدم الذي أحرزه الجيش، ما يوحي بأن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولات من الدعم السريع لاستعادة زمام المبادرة أو على الأقل منع الجيش من تثبيت مكاسبه على الأرض.
على المستوى الميداني الأوسع، لم يقتصر تقدم الجيش السوداني على جنوب كردفان، إذ أعلن أيضاً استعادة السيطرة على منطقة السلك في إقليم النيل الأزرق بعد عملية عسكرية وُصفت بالمُحكمة، إلى جانب دخوله مدينة هبيلة الاستراتيجية وبسط نفوذه عليها بالكامل.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تمثل تحولاً لافتاً في مسار الحرب، خاصة مع تحقيق الجيش تقدماً واضحاً في ثلاث جبهات رئيسية هي الدلنج وهبيلة والنيل الأزرق، ما يمنحه زخماً عسكرياً ومعنوياً في مرحلة شديدة الحساسية من النزاع.
ويكتسب فك الحصار عن الدلنج أهمية تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ إن المدينة تُعد ثاني أكبر مدن جنوب كردفان، وتشكل حلقة وصل حيوية مع مدينة الأبيض. ويفتح هذا التقدم الباب أمام احتمال فك الحصار عن كادوقلي في مرحلة لاحقة، الأمر الذي قد يعيد رسم خريطة السيطرة في الولاية بأكملها.
إلى جانب ذلك، يحمل هذا التطور بعداً إنسانياً بالغ الأهمية، إذ يتيح وصول الإمدادات الغذائية والطبية إلى عشرات الآلاف من المدنيين الذين عانوا ظروفاً قاسية خلال فترة الحصار، كما يعزز قدرة الجيش على إرسال تعزيزات إضافية وترسيخ وجوده في المنطقة.
أما السيطرة على مدينة هبيلة، التي تُعد عقدة مواصلات رئيسية بين الدلنج وكادوقلي، فتمثل بدورها تحولاً نوعياً في سير العمليات العسكرية.
ويرجح محللون أن تمهد هذه الخطوة لتصعيد أوسع خلال الأيام المقبلة، مع انتقال المعارك إلى مرحلة جديدة قد تشمل محاولات توسيع نطاق السيطرة أو شن هجمات مضادة من جانب قوات الدعم السريع وحلفائها.
في خضم هذه التطورات الداخلية، برز الحراك الدولي كعامل موازٍ لا يقل أهمية، مع وصول وفد بريطاني رفيع يضم مسؤولين دبلوماسيين وعسكريين إلى مدينة بورتسودان لإجراء مباحثات مع السلطات السودانية.
وتركزت اللقاءات على تقييم الوضع الأمني الراهن، ومناقشة الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف القتال، إضافة إلى البحث في آليات تحسين وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتأثرة بالنزاع.
والتقى رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بالوفد البريطاني، حيث جرى استعراض مستجدات الأوضاع في البلاد، إلى جانب بحث العلاقات الثنائية بين الخرطوم ولندن وسبل تطويرها بما يخدم المصالح المشتركة.
وترأس الوفد الفريق أول بحري إدوارد ألغرين، كبير المستشارين العسكريين بوزارة الدفاع البريطانية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وضم المبعوث البريطاني للسودان ريتشارد كراودر والملحق العسكري البريطاني في القاهرة.
وأكد كراودر، في تصريحات صحفية عقب اللقاء، وقوف المملكة المتحدة إلى جانب الشعب السوداني، معبّراً عن أسف بلاده للتداعيات الإنسانية الواسعة للحرب.
كما شدد على أن المحادثات ركزت على الحاجة الملحّة لوقف إطلاق النار، وعلى التزامات أطراف النزاع بحماية المدنيين وفقاً لإعلان جدة، في وقت تبدو فيه الهوة واسعة بين الدعوات الدولية للتهدئة والخطاب التصعيدي المتبادل على الأرض.
في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة عن مشهد معقد تتداخل فيه الانتصارات الميدانية مع التصعيد السياسي، والحراك الدولي مع الحسابات العسكرية، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على سيناريوهات متعددة.
وبينما يمنح التقدم العسكري الجيش السوداني أفضلية نسبية، فإن إصرار قوات الدعم السريع على مواصلة القتال ينذر بإطالة أمد الصراع، في ظل معاناة إنسانية متفاقمة وضغوط دولية متزايدة لوقف الحرب قبل أن تتسع رقعتها أكثر.



