تقوى القلوب.. حصن البيوت في زمن العواصف

كتب / الدكتور أمين رمضان
نعيش اليوم واقعاً مؤلماً، حيث تنطلق من كل صوب، سهام التدمير الأخلاقي مباشرة إلى قلب “البيت المسلم”، تلك القلعة التي كان يُفترض أن تكون رمزاً للسكينة والبناء. كم من البيوت نراها الآن بأم أعيننا تفقد استقرارها وتهوي إلى الحضيض، وتتحول إلى أنقاض تحت وطأة الخلافات، ليس لأن الحب انتهى فحسب، بل لأن “الضمانة الأخلاقية” قد غابت، وحلّت محلها لغة العناد والانتقام والمحاكم. عدد الأولاد الذين ضاع منهم الحاضر والمستقبل مهول، واتخاذ الوالد والوالدة منهم أدوات انتقام للطرف الآخر أصبح ظاهرة، لا حظ عزيزي القارئ أنني لم أقل الأب والأم، لأنهما لو كانا كذلك لحرصا على حماية الأولاد من نار الانتقام.
أرقام تدق ناقوس الخطر
قبل أن نبحث في العلاج، علينا أن ندرك حجم الوجع المجتمعي من خلال لغة الأرقام (وفقاً لآخر المؤشرات المتاحة لعامي 2025 و2026):
- نسب الطلاق العامة: تشير الإحصائيات في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية إلى أن نسب الطلاق تتراوح بين 30% إلى 35% من إجمالي عقود الزواج السنوية.
- بين الأزواج الجدد: الصدمة الحقيقية تكمن في “السنوات الخمس الأولى”، حيث تقع حوالي 40% إلى 45% من حالات الطلاق بين المتزوجين حديثاً، مما يعكس هشاشة البناء الأسري في بدايته.
الارتفاع المرعب لنسب الطلاق بين المتزوجين حديثا، يدق ناقوس خطر كبير، يمتد صداه إلى المستقبل، فالكثير من شباب العصر لا يصلح لبناء بيت أصلاً، وإقامة علاقة زوجية ناجحة، فما بالك بتربية الأولاد؟!، معظم المتزوجون الجدد يحتاجون إلى إعادة تربية، هذه جريمة في حق مستقبل الوطن.
الصيام: مدرسة السيطرة على “الأنا”
المشكلة الزوجية في جوهرها هي “صدام إرادات”. والصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو تدريب يومي على كبح جماح النفس. عندما يمتنع الصائم عن رد الإساءة بمثلها قائلاً “إني صائم”، فهو يتدرب عملياً على إطفاء حرائق المشاكل قبل اشتعالها.
يقول الله تعالى في فضل الصيام والهدف منه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183).
فالغاية الكبرى هي التقوى، وهي المحرك الأساسي لإصلاح النفوس الذي ينعكس على البيوت.
التقوى: الضمانة التي تتجاوز القانون
كثيرون يظنون أن القانون هو الذي يحمي الحقوق عند الشقاق. لكن الحقيقة أن القانون قد يمنحك “حُكْمَاً ورقياً”، لكنه لا يضمن لك “العدل والإنصاف”. القانون يمكن الالتفاف عليه بالثغرات، أما التقوى فهي رقيب داخلي لا ينام.
لماذا التقوى هي الحل؟
- في الغرف المغلقة: لا يوجد قاضٍ يرى ما يدور بين الزوجين، لكن التقوى تجعل الرجل يتقي الله في زوجته فلا يظلمها، وتجعل الزوجة تتقي الله في زوجها فلا ترهقه.
- عند الشقاق: المتقي لا يفجر في الخصومة، بل يتذكر قوله تعالى:
{وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (البقرة: 237).
- عند الطلاق: التقوى هي التي تحول الطلاق من “معركة كسر عظام” إلى “تسريح بإحسان”. المتقي يعطي الحقوق طيبة بها نفسه خوفاً من وقوفه أمام الله، لا خوفاً من محضر الشرطة.
يقول الله تعالى واصفاً أثر التقوى في هذه اللحظات الحرجة:
{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (الطلاق: 2-3)
ماذا قال الشعر عن التقوى؟
لقد أدرك الشعراء والحكماء قديماً أن السعادة ليست في المادة أو القوة، بل في تقوى الله التي تنعكس سكينة في البيت، كما قال الشاعر الحطيئة:
وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ … وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ
وَتَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْراً … وَعِنْدَ اللَّهِ لِلأَتْقَى مَزِيدُ
خلاصة القول
إن القانون يضع الحدود الظاهرة، لكن التقوى تضع الروح والرحمة. البيوت لا تُبنى بـ “المواد القانونية” بل بـ “المراقبة الإلهية”. فإذا أردنا لبيوتنا أن تصمد أمام سهام الواقع السامة، فلنحول صيامنا إلى سلوك، ولنجعل التقوى، ثمرة ناضجة للشعائر كلها، وخصوصاً الصيام الصحيح وليس الصيام المزيف. التقوى هي الحكَم والفيصل في كل شؤوننا، فهي الأبقى والأعدل.
الدكتور / أمين رمضان
11رمضان 1447 هـ / 1 مارس 2026 م




