احدث الاخبار

ثوب الصلاة في غزة: رفيق الغزيات زمن الحرب وزي الصمود المفروض

حين يتحول لباس العبادة إلى درع يومي للستر والنزوح

كتبت – عزة السيد 

لم يعد ثوب الصلاة في قطاع غزة مجرد لباس ترتديه النساء عند أداء الفرائض الدينية فحسب، بل تحول خلال حرب الإبادة الجماعية المتواصلة إلى جزء لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، ورفيق دائم لا يغادر أجساد وأكتاف الغزيات إلا نادراً. وفي هذا التقرير، يسلط موقع “وضوح الإخباري” بالتعاون مع “المركز الفلسطيني للإعلام “،الضوء على قصص النساء في أحياء غزة ومراكز النزوح والخيام، حيث غدا هذا الثوب رمزاً لواقع مرير فرضه العدوان المستمر، وشاهداً حياً على رحلة الكفاح والتمسك بالستر في أحلك الظروف.

تفاصيل الحياة اليومية بالثوب الموحد داخل الخيام ومراكز الإيواء

في أي مكان تقع عليه عينك داخل مخيمات النزوح بمواصي خانيونس أو مراكز الإيواء المكتظة، يصعب أن تخطئ المشهد العام الذي بات يشبه زياً موحداً فرضته الحرب:

  • تداخل المهام باللباس ذاته: نساء يجلسن بثياب الصلاة لساعات طويلة، وأخريات يعددن الطعام الشحيح أو يرتبن أماكن النوم بالثوب نفسه.

  • الحياة في الطوابير: تخرج المرأه الغزية لحمل أطفالها أو الوقوف في طوابير المياه الطويلة والمساعدات وهي ترتدي لباس الصلاة.

  • فقدان الخصوصية: تقول أم أحمد، وهي أم لخمسة أطفال في مركز إيواء بمواصي خانيونس: “الحرب غيرت تفاصيل حياتنا كلها، ولم تعد هناك خصوصية كما كانت. نعيش بين مئات الأشخاص، وثوب الصلاة أصبح أسهل وسيلة للشعور بشيء من الراحة والخصوصية”.

جاهزية دائمية للإخلاء: النوم والاستيقاظ تحت تهديد القصف

لم يكن هذا التحول سلوكاً عادياً، بل فرضته ظروف العدوان الشرس وما يرافقه من خوف دائم من القصف المفاجئ أو أوامر الإخلاء القسرية التي لا تمنح السكان سوى دقائق معدودة للنجاة.

شهادة من الميدان: تقول أم محمد، وهي نازحة من شمال قطاع غزة وهي ترتب أغطية خيمتها: “صرنا ننام بثياب الصلاة ونستيقظ بها. في أي لحظة ممكن يطلبوا منا إخلاء المكان أو يصير قصف قريب، وما عاد في وقت للتجهيز أو تبديل الملابس. قبل الحرب كنت ألبسه وقت الصلاة فقط، أما اليوم فأشعر أنه جزء مني يمنحني شعوراً بالستر إذا اضطررنا للخروج فجأة”.

وحتى في داخل المنازل القليلة التي ما زالت قائمة ولم تهدم بالكامل، تحتفظ كثير من النساء بثياب الصلاة بالقرب من رؤوسهن طوال الليل والنهار، تحسباً لأي طارئ مرتقب.

الأبعاد النفسية والاجتماعية: البحث عن الأمان في زمن “عدم اليقين”

يرى المتخصصون أن هذه الظاهرة تتجاوز مجرد الرغبة في الستر، لتصل إلى أبعاد نفسية عميقة ترتبط برغبة الإنسان في التكيف مع الكارثة. وفيما يلي أبرز أبعاد هذه الظاهرة اجتماعيًا ونفسيًا:

البُعد الاجتماعي والنفسي التغيير الذي أحدثته الحرب
وسيلة للتكيف استجابة لواقع مرعب يفرض على الإنسان أن يكون مستعداً للرحيل أو الموت في أي ثانية.
مفهوم الأمان النفسي ارتباط الثوب بالطمأنينة والسكينة، مما يجعله غطاءً نفسياً وجسدياً في رحلة الصمود.
صناعة الهوية المؤقتة تحول الثوب إلى رمز جماعي للمرأة الفلسطينية الصابرة تحت وطأة الإبادة.

وتوضح الباحثة الاجتماعية مرام العزايزة هذا التحول قائلة: “ثوب الصلاة لم يعد مجرد قطعة ملابس، بل تحول إلى وسيلة للتكيف مع حالة الخوف وعدم اليقين التي تعيشها النساء يومياً”.

خاتمة: جاهزية لكل شيء حتى تعود الحياة

في قطاع غزة، حيث تتداخل أصوات الطائرات الحربية والمسيرات مع أدق تفاصيل المعيشة، اختصرت أم محمد المشهد وهي تنظر بأسى إلى أطفالها داخل الخيمة: “لم نعد نعرف متى سنعود لحياتنا الطبيعية، لكننا اعتدنا أن نكون جاهزات لكل شيء… حتى ونحن نرتدي ثوب الصلاة طوال اليوم”. إنه غطاء الصمود الذي يرافقهن في مواجهة آلة الحرب، بانتظار يوم تعود فيه الخصوصية ويعود فيه الثوب لمكانه الطبيعي فوق سجادة الصلاة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى