حين تَكشف العبارةُ ملامحَ القدر

كتب /الدكتور أمين رمضان
ربما يتذكر الكثير منا كلمة واحدة كانت سبب في نجاحه أو تحطيمه، فالكلمة أو العبارة التي نسمعها عن أنفسنا قد تعمل عمل السحر فينا، وقد تكون سبب في تشكيل هويتنا، الناجحة أو الفاشلة، خصوصاً عند من يتأثر بكلام الآخرين.
نبوءةٌ خلف باب “زويل”
يذكر الدكتور أحمد زويل في كتابه عصر العلم، كتبت أمه، وهو صغير، على باب غرفته، “الدكتور أحمد زويل”، صحيح أن هذه الجملة لم تصنعه، لكنها شكلت هويته التي بذلت الجهد المضني في الدراسة والأبحاث حتى حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، لأبحاثه الرائدة في مجال أبحاث الفيمتو التي أدت إلى اختراع الفيمتو ثانية وطور نظام تصوير سريع للغاية باستخدام ليزر “الفيمتو ثانية” (جزء من مليون مليار من الثانية)، مما سمح برصد حركة الذرات والجزيئات أثناء التفاعلات الكيميائية في الوقت الفعلي، مما نقل البشرية لآفاق جديدة، وتطبيقات في مجالات حيوية، لا يسمح المقال بسردها هنا.
مخاضُ الضوء من عتمةِ الفشل
حدث معي شخصياً موقفان وأنا طالب في كلية العلوم بجامعة الإسكندرية في السنة الأولي عام 1970، كنت في قسم الطبيعة والرياضيات، كانت النتيجة في نهاية العام، راسب في جميع المواد، كانت صدمة لأنها كانت أول مرة تحدث في حياتي، حزنت حزن شديد، لما روحت البيت، مش عارف ليه؟ مسكت كتاب، وكنت قارئ نهم جداً للمعرفة، فتحت الكتاب لقيت صفحة قدامي، وقعت عيني على جملة ما زالت محفورة في ذهني حتى الآن يعني بعد 56 سنة، كانت الجملة “لا تجعل الصدمة التي تأتيك من الخلف توقعك، ولكن اجعلها تدفعك للأمام”، أغلقت الكتاب، وذهبت الكلية، غيرت تخصصي للجيولوجيا أو علوم الأرض، وواصلت الدراسة وكان ترتيبي الأول على الدفعة خلال الأربع سنوات، وتخرجت بتقدير حيد جداً مع مرتبة الشرف، وعينت معيد بالكلية عام 1974، وأكملت دراساتي العليا حتى حصلت على الماجستير من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالسعودية، ثم الدكتوراه من جامعة كارديف بانجلترا، لم أكن أدرك أن هذه الرسالة كانت من قدر الله، لكني أدركت بعد ذلك أنه لا صدفة في الحياة، وأن تغيير التخصص فتح أمامي كتاب الكون المنظور ليكون طريقا لي لمعرفة الله من خلال تدبر آياته المنظورة، لأجمع بين تدبر الآيات المقروءة في القرآن الكريم مع الآيات المنظورة في الكون، قرأت بعد ذلك أن ابن القيم كتب فائدة في كتابه “الفوائد” عنوانها طريقان لمعرفة الله، هما تدبر الآيات المقروءة والمنظورة.
الموقف الآخر، كنت في السنة الثالثة في الجامعة، في إحدى الحصص العملية لدراسة الصخور، ذهبت للمعيد لأسئله سؤال، قال لي: تعالى هنا جنبي.. بكرة تبقى زميلنا”، انطبعت هذه العبارة في ذهني من تلك اللحظة للآن، رحمه الله رحمة واسعة.
بالتأكيد كل واحد فينا عنده مواقف مشابهة، لكلمة أو جملة دفعته للنجاح أو الفشل في رحلة حياتنا، أو كلمة قالها لإنسان غيرت حياته، لكن الإنسان ليس لقطة في رحلة حياته، بالوعي يقدر ينجح، ويصنع من خبرة الفشل نجاح جديد.
خاتمة
إن الإنسان ليس “لقطةً” ثابتة في ألبوم الحياة، بل هو نهرٌ متجدد وقابل للتطور للأفضل. بالوعي وحده، نستطيع أن نجعل من عثرات الفشل منصاتٍ لنجاحاتٍ وليدة. ابحثوا في ذاكرتكم عن تلك “الكلمة السحرية”، فربما تكون هي القوة الكامنة التي تنتظرُ منكم استعادةَ صياغةِ الحكاية.
الدكتور / أمين رمضان
21 رمضان 1447 ه / 11 مارس 2026 م




