خلف أبواب الثانوية.. حين تصبح “الكلمة” طوق نجاة في الأمتار الأخيرة

بقلم التربوي / حسن السعدني
صخب صامت وخوف يملأ الممرات
قبل لحظاتٍ معدودة من فتح أبواب لجان الثانوية العامة، كان الممر الضيق يعجّ بصخبٍ صامت. شهورٌ طويلة من السهر والقلق تجسدت هناك: وجوهٌ شاحبة، أنفاسٌ متلاحقة، وعيونٌ حائرة تلتقط أي بادرة طمأنينة وسط زوايا المكان الموحشة.
كنتُ أقف بينهم.. لا كمراقبٍ عابر يحصي الدقائق، بل كمعلّمٍ يدرك تمامًا أن هذه اللحظة تحديدًا قد تعيد تشكيل مصير تلاميذه. اقتربتُ من مجموعةٍ من طلابي، فرأيت الخوف في أعينهم يتحدث بوضوحٍ تفوق الكلمات الصادمة.
قلتُ بهدوء متبسمًا، محاولًا كسر الجليد:
— “ما بالكم؟ كأنكم مقبلون على معركة لا امتحان!”
ابتسم عمر ابتسامةً باهتة، وفرك كفيه المتعرقتين قائلًا بصوت يرتجف:
“يا أستاذ.. نشعر أننا نسينا كل شيء.. العام بأكمله تبخر في لحظة!”
نظرتُ في عيونهم التي تتطلع إليّ، وسألتهم بيقين:
“وهل تظنون أن جهاد عام كامل، وسهر الليالي، يمكن أن يمحوه توتر دقائق؟”
الصوت الأسود المتخفي في قناع الشك
ساد صمت مؤقت، قبل أن يتدخل محمد وعيناه تثبتان في الأرض:
— “لكن هذا الخوف يشلنا يا أستاذ.. نخشى أن تضيع أحلامنا وأحلام أهلنا بسببه.”
اقتربتُ منهم خطوة إضافية، وخفّضتُ صوتي كأنني أُسرّ لهم بسرٍ ثمين يملكونه وحدهم:
— “اسمعوا جيدًا.. أخطر ما يواجهكم الآن ليس الأسئلة التي تنتظركم خلف ذلك الباب.. بل الصوت الذي يتردد داخل عقولكم. ذلك الصوت الأسود المخادع الذي يهمس: (لست مستعدًا.. ستفشل).. هذا ليس صوت الحقيقة يا أبنائي، بل هو صوت الخوف المتخفي في قناع الشك.”
سألت زهرة بتردد، وصوتها يكاد يبين:
— “وكيف نُسكته يا أستاذ؟ الوقت يداهمنا..”
أجبتها بابتسامة واثقة هادئة:
“لا تستهلكوا طاقتكم في إسكاته.. بل تجاهلوه. دعوا أقلامكم وأوراقكم تتكلم بدلًا منه. تلك الورقة البيضاء في الداخل لا تنتظر عبقريًا خارقًا يملك قوى سحرية.. بل تنتظر طالبًا هادئًا، صادقًا مع نفسه، يثق بما بذله من جهد.”
الهدوء.. المفتاح الحقيقي للمعركة
التقطت دينا خيط الحديث، وقد بدأت ملامحها تسترخي قليلاً:
— “وهل يكفي الهدوء وحده لتجاوز هذه العقبة؟”
نظرتُ إليها بثبات وقلت:
— “بل هو المفتاح الحقيقي؛ فكثيرون يخسرون في هذه اللجان لا لنقصٍ في معلوماتهم، بل لأن الذعر يشلّ قدرة عقولهم على استدعاء ما يعرفون.”
في تلك اللحظة، ساد الممر صمتٌ عميق.. لكنه لم يكن صمت انكسار أو حيرة، بل كان صمت إدراكٍ واستيعاب.
أنتم قادرون لا كاملون
فجأة، رنّ جرس البدء . دبّت الحركة سريعة في الممر، وتحرّك الطلاب والطالبات نحو اللجان. لكن خطواتهم هذه المرة كانت مختلفة تمامًا.. كانت أكثر ثباتًا، وأقل ترددًا.
وقبل أن يخطوا عتبة اللجان، ناديتُ عليهم بصوتٍ جهوري يحمل كل ما أوتيت من إيمان بهم:
“تذكّروا جميعًا.. أنتم لا تدخلون لإثبات أنكم كاملون.. بل لإثبات أنكم قادرون!”
التفت عمر قبل أن يدخل، ونظر إليّ بابتسامةٍ واثقة أضاءت وجهه الشاحب وقال:
— “شكرًا يا أستاذ.. الآن فقط فهمنا اللعبة.”
الدور الحقيقي للمعلمين
عندئذ دخل الجميع، ووقفتُ أراقب ظهورهم من بعيد حتى غابوا خلف الأبواب المغلقة. كنت أعلم في قرارة نفسي أنهم سيواجهون الامتحان بشجاعة الفرسان لا برعب الضحايا.
وحين أُغلق الباب الأخير، أدركتُ اليقين الأكبر: إن دورنا الحقيقي كمعلمين لا ينتهي أبدًا بشرح المنهج وتعبئة العقول، بل يبدأ من إعادة الطلاب إلى أنفسهم، ومنحهم الثقة..
في هذه اللحظة تحديدًا التي يوشكون فيها على فقدانها. فالمعلم لا يمنح الإجابات الجاهزة، بل يسلّح الإنسان لمواجهة الحياة بثبات، وحينها فقط.. تصنع “الكلمة الواحدة” فارقًا ينقذ مستقبلًا بأكمله
الأستاذ حسن السعدني تربوي وخبير اللغة العربية


