رائد حكماء الجاهلية وبليغ سوق عكاظ تنبأ بالبعث وحذر من الغفلة الإنسانية

كتب – محرر الشئون الإسلامية
تُعيد الأوساط الثقافية والأدبية تسليط الضوء على الإرث البلاغي والفلسفي الفريد للخطيب الشهير “قس بن ساعدة الإيادي”، الذي يُعد أشهر حكماء العرب وفلاسفتهم في العصر الجاهلي. وعُرف الإيادي، الذي توفي قرابة عام 600م، بأنه كان موحداً مؤمناً بالبعث والنشور وسط بيئة وثنية، واشتهر بخطبته التاريخية البليغة في “سوق عكاظ” التي تضمنت وعظاً عميقاً وتذكيراً بحتمية الموت والآخرة، وهي المعاني التي جاء الإسلام السمح ليؤكدها ويعززها لاحقاً.
البلاغة الجاهلية في مواجهة الغفلة الإنسانية
اشتهر قس بن ساعدة بإلقاء خطبته المأثورة التي بدأت بـنصيحة مدوية قال فيها: “أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا سمعتم شيئاً فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت”؛ حيث استلهم من ظواهر الكون دلالات على وجود الخالق وحتمية الفناء. ويمثل هذا الفكر الفطري تجسيداً مبكراً للتدبر في ملكوت السماوات والأرض، وهو ما دعا إليه القرآن الكريم في مواضع عدة تعيب على الغافلين إعراضهم عن الآيات الكونية.
آيات الإعجاز الكوني والاعتبار بمصائر الأولين
تطابقت رؤية الحكيم الإيادي وفلسفته حول الكون مع العديد من الآيات القرآنية التي تدعو البشرية إلى التأمل والاعتبار من القرون الماضية ومصائر الأمم الخالية؛ فبينما كان ينادي في قومه متأملاً تقلبات الطبيعة، أنزل الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل ما يصدق ذلك من التوحيد والبعث.
-
قال الله تعالى في سورة البروج: $$ \text{«وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ»} $$ متوافقاً مع قول الخطيب “وسماء ذات أبراج”.
-
وقال عز وجل في سورة الملك: $$ \text{«الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ»} $$ تأكيداً على حقيقة الفناء والآخرة.
-
وقال سبحانه في سورة يونس: $$ \text{«إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ»} $$ تعقيباً على تدبر معالم الطبيعة من ليل ونهار وبحار.
شهادة نبوية شريفة بحق حكيم العرب
لم تكن خطبة قس بن ساعدة في سوق عكاظ مجرد كلمات عابرة، بل سجلها التاريخ النبوي؛ حيث يُروى أن النبي محمد ﷺ قد استمع إليه في الجاهلية وأثنى على توحيده وبلاغته بعد وفاته.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُمْ: «مَنْ يَعْرِفُ مِنْكُمْ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ الإِيَادِيَّ؟» قَالُوا: كُلُّنَا نَعْرِفُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَمَا فَعَلَ؟» قَالُوا: مَاتَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ قُسًّا، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَوْرَقَ فِي سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ…».
وفي حديث آخر ذكره أهل السير، أشار المصلح الأعظم ﷺ إلى منزلة قس الفطرية قائلاً: «يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ».
التساؤل الفلسفي حول الموت والخلود
اختتم قس بن ساعدة وعظه بطرح تساؤلات وجودية هامة هزت وجدان مستمعيه حين قال: “مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا؟ تباً لأرباب الغافلة والأمم الخالية والقرون الماضية”. وتعد هذه التساؤلات استنكاراً صريحاً لحالة الغفلة الإنسانية الشائعة، ودعوة مفتوحة للتأمل في أن الموت ليس نهاية المطاف، بل هو بوابة العبور نحو البعث والنشور الذي آمن به بفطرته السليمة قبل مجيء الرسالة الخاتمة.
مختارة من صفحة أحمد صبري على واتس اب



