رداء الروح بين الزوج والزوجة: رؤية قرآنية ونفسية

كتب / الدكتور أمين رمضان
في خضم الحياة الإنسانية المعقدة، وحيث تتلاطم أمواج العلاقات وتتداخل المشاعر، والهجمة الشرسة على القيم والأخلاق لجر المجتمع نحو الظلام، تظل الأسرة هي المحضن الباقي للحفاظ على القيم الإنسانية، التي تساهم بدورها في أمن وسلامة وصحة المجتمع، نجد أن القرآن يقدم لنا أعمق وصف نفسي للعلاقة الزوجية في تاريخ الفكر البشري. يتجلى هذا الإعجاز في قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} (سورة البقرة: الآية 187). لقد وردت هذه الآية الكريمة في سياق تخفيف أحكام الصيام في ليالي رمضان، لتضع قاعدة وجودية تتجاوز حدود الجسد، لترسم بنية تحتية متكاملة للصحة النفسية والاستقرار الأسري والمجتمعي.
الستر والدفء: المعنى الحسي والجمالي
إذا تأملنا مفردة “اللباس” من الناحية اللغوية والأدبية، نجد أنها تحمل دلالات الإحاطة، والاشتمال، والملاصقة التامة. فاللباس هو أقرب الأشياء إلى جسد الإنسان، يلامس بشرته بلا حواجز، وهكذا الزوجان؛ هما سكن ولحاف لبعضهما البعض في أحلك الظروف. وكما أن اللباس يستر عورات الجسد ويحميه من تقلبات المناخ وبرده القارس، فإن الزوجين يستران عيوب بعضهما، ويشكلان درعاً واقياً يحمي الآخر من الانحرافات والشهوات الخارجية، ويمنحه شعوراً بالراحة والاطمئنان والأمان.
إن الانتقال من المعنى الحسي للثوب إلى المعنى الرمزي للزوجة يعكس ذوقاً أدبياً رفيعاً، فاللباس زينة وتجمل، وكذلك يجب أن يكون الشريك مصدراً للجمال والسرور، مما يضفي على الحياة الزوجية طابعاً من المودة والملاطفة التي لا تبلى.
الآية من منظور علم النفس الحديث
وعندما نعرض هذه الآية الجليلة على مجهر علم النفس الحديث، نكتشف تطابقاً مذهلاً مع أحدث نظريات التحليل النفسي. ففي علم نفس الأعماق، نجد نظرية “الأنا الجلد” (Skin-Ego) للمحلل الفرنسي ديدييه أنزيو، والتي تؤكد أن الأنا النفسية تحتاج إلى “غلاف” يحميها ويحتويها تماماً كما يحمي الجلد أعضاء الجسد. إن الشريك في المنظور القرآني يتحول إلى هذا “الجلد النفسي” أو الغلاف الحامي، الذي يقي شريكه من الشعور بالانكشاف أو “العري الوجودي” أمام أزمات الحياة وصدمات الواقع.
كما تتقاطع الآية مع مفهوم “الإدراك الملبسي” (Enclothed Cognition)؛ فكما يؤثر نوع الثياب على ثقة الإنسان بنفسه، يعمل الشريك كـ “لباس للهوية”. فالزوجة التي تلبس زوجها ثوب التقدير والثقة، تجعله يتشرب هذه الصورة لتصبح واقعاً سلوكياً، والعكس صحيح. وعلاوة على ذلك، يشير مفهوم اللباس إلى أهمية “المقاس المناسب”، وهو ما يعبر عنه سيكولوجياً بـ “التوافق” (Compatibility). فاللباس غير المناسب (الضيق أو الفضفاض جداً) يسبب الاختناق أو يعيق الحركة، وكذلك العلاقة التي تفتقر إلى التكافؤ الفكري والعاطفي، مما يؤكد ضرورة الانسجام بين الزوجين ليكونا حقاً لباساً مريحاً لبعضهما.
تكرار التعبير في الآية (هن لباس لكم) ثم (وأنتم لباس لهن) لم يأتِ عبثاً، بل ليؤسس لمبدأ “التشارك” في بناء الأسرة. فالأسرة في الإسلام ليست ساحة صراع لفرض السيطرة، بل هي “سكن” ومؤسسة تكافلية تكاملية. حين يدرك الزوجان أنهما لباس لبعضهما، يتحول البيت إلى محضن آمن لامتصاص الغضب، ومعالجة الإحباط، وتبادل التغذية الراجعة الإيجابية.
هذا الاحتواء العاطفي المتبادل يمنع العلاقة من أن تصبح علاقة “طفيلية” يستنزف فيها طرفٌ الطرفَ الآخر، بل يحافظ على توازن الحقوق والواجبات. وفي ظل هذا العش الزوجي الدافئ المستور، تنشأ الطفولة وتترعرع الأجيال في بيئة نفسية مستقرة، بعيدة عن العواصف والأمراض النفسية التي تخلفها التصدعات الأسرية.
نحو بناء مجتمع محصن
إن المجتمع ما هو إلا نسيج يتألف من خيوط هذه الأسر. وحين يتحقق مفهوم “اللباس” بكل أبعاده داخل البيوت، ينعكس ذلك فوراً على أمن المجتمع وطهارته، فيصبح هذا المفهوم درع حصانة وطهر للمجتمع. إن تلبية الدوافع الفطرية في إطار نظيف وشرعي (الإحصان بالزواج)، يغلق نوافذ الفتنة والغواية، ويقي المجتمع من الانطلاق البهيمي للشهوات والانحلال الأخلاقي.
المجتمع الذي تشيع فيه ثقافة “اللباس الزوجي” هو مجتمع محصن، تقل فيه نسب الخيانات (التي عبر عنها القرآن باختيان النفس ﴿وَلَا تُجَـٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِینَ یَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِیمࣰا﴾ [النساء ١٠٧])، وتصان فيه الأعراض، وترتفع فيه مقاييس الجمال من مجرد الانجذاب الجسدي، إلى تذوق الجمال الإنساني المهذب والمستور بالحشمة والعفة.
لم تكن الآية الكريمة يوماً مجرد تشريع فقهي لإباحة أمر في ليالي الصيام، بل هي “منهج” إلهي للصحة النفسية في العلاقات الحميمية. إنها تنقل الزواج من كونه عقداً جافاً إلى كونه عملية اندماج روحي ونفسي عميق، يصبح فيها الآخر هو الدثار الذي نلتحف به من زمهرير الحياة، والجلد الذي نشعر من خلاله بالأمان الوجودي، في أوجز عبارة، وأكبر دلالة، وأجمل معاشرة.
الدكتور / أمين رمضان
9رمضان 1447 هـ / 27 فبراير 2026 م




