سيطرة ترامب على نفط فنزويلا تكريس لهيمنة أمريكا على الاقتصاد العالمي

كتب – المحرر الإقتصادي
بعد ساعات قليلة من اختطاف أمريكا للرئيس الفنزويلي مادورو أعلن الرئيس ترامب أن أمريكا ستدير فنزويلا حتى وضع نظام للحكم موالي لسياساتها ، ويأتي إدارة النفط في فنزويلا في مقدمة الإهتمامات لان السيطرة على قطاع النفط الفنزويلي من قبل الولايات المتحدة، سيفتح المجال واسعاً للشركات النفطية الأمريكية للعودة مرة أخرى والسيطرة على انتاج النفط الفنزويلي وتحقيق ربحية مستدامة.
مع دخول النفط الفنزويلي الثقيل على خط الإمدادات للمصافي الأمريكية، فستتأثر مشتريات تلك المصافي من النفط العربي الثقيل من السعودية والعراق، وقد تتوقف تماماً بسبب فرق كلفة النقل مقارنة مع النفط الفنزويلي الرخيص والقريب جغرافياً، وهذا ما يسمح للمصافي الأمريكية باستيراد النفط الفنزويلي بكلفة أقل مما يوسع نطاق الأرباح المتحققة!.
تُعد سيطرة الولايات المتحدة على نفط فنزويلا مثالًا واضحًا على استمرار هيمنتها الاقتصادية التي بدأت منذ الحرب العالمية الثانية. فكما فرضت واشنطن منظومة الدولار والذهب ثم البترودولار لتتحكم في موارد العالم، فإن تدخلها في فنزويلا يعكس ذات النهج القائم على إخضاع الدول الغنية بالموارد الطبيعية لسياساتها. النفط الفنزويلي، الذي يُعد من بين الأكبر احتياطيًا في العالم، أصبح ورقة ضغط إضافية بيد أمريكا، تستخدمها لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي، ولتأكيد أن أي محاولة للخروج عن النظام المالي العالمي الذي أسسته ستواجه بالعقوبات والحصار والتدخل المباشر. هذه الاستراتيجية تؤكد أن السيطرة على الطاقة ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل أداة رئيسية في تكريس الهيمنة الأمريكية على مقدرات الشعوب.
بداية الهيمنة الإقتصادية الأمريكية
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، برزت الولايات المتحدة كلاعب رئيسي في صياغة النظام الاقتصادي العالمي الجديد. عبر أدوات مالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وعبر سياسات مرتبطة بالدولار والذهب، تمكنت واشنطن من فرض هيمنتها على اقتصادات العالم، لتصبح الدول المنتجة رهينة ورقة نقدية تطبعها أمريكا بلا غطاء. هذه المنظومة، التي امتدت لعقود، لم تقتصر على الاقتصاد فقط، بل شملت النفط، الشركات العابرة للقارات، وحتى السلاح والعقوبات، لتشكل شبكة معقدة من السيطرة على مقدرات الشعوب.
الدولار والذهب: بداية الهيمنة
بعد الحرب العالمية الثانية، ربطت أمريكا عملات العالم بالدولار، وربطت الدولار بالذهب الموجود لديها. بدا الأمر وكأنه نظام مالي منظم، لكنه في الحقيقة منح واشنطن سلطة غير مسبوقة على اقتصادات الدول. العالم يعمل وينتج، بينما الولايات المتحدة تطبع الدولار وتستلم الإنتاج مقابل أوراق بلا قيمة حقيقية.
نيكسون وصدمة 1971
أكبر عملية قلب لموازين الاقتصاد العالمي حدثت عام 1971 حين أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وقف تحويل الدولار إلى ذهب. بهذا القرار، ألغت أمريكا التزامها السابق، وأخذت ذهب العالم ثم بدأت بطباعة الدولار بلا غطاء، ما فتح الباب أمام تضخم غير مسبوق وهيمنة مالية مطلقة.
البترودولار: النفط تحت رحمة الدولار
في خطوة لاحقة، فرضت واشنطن قاعدة بيع النفط بالدولار فقط، بالتعاون مع السعودية. أي دولة تحتاج النفط أصبحت مضطرة للحصول على الدولار، وأي دولة تحتاج الدولار باتت تحت رحمة السياسات الأمريكية. هذه المنظومة جعلت الطاقة العالمية أداة إضافية للهيمنة الاقتصادية والسياسية.
صندوق النقد وفخ الديون
عبر صندوق النقد الدولي، وقعت العديد من الدول في فخ الديون. شروط القروض تضمنت تعويم العملة، رفع الدعم، خصخصة الأصول، وفتح الأسواق للشركات الأجنبية. النتيجة كانت انهيار العملات الوطنية، بيع الأصول بثمن بخس، واستمرار الديون بلا نهاية، ما جعل هذه الدول رهينة دائمة للسياسات الأمريكية.
الشركات العابرة للقارات
الشركات الأمريكية الكبرى لعبت دورًا محوريًا في هذه المنظومة. فهي تستخرج المواد الخام من دول الجنوب، تصنّع في آسيا بأجور زهيدة، ثم تبيع للعالم بأسعار مرتفعة. الأرباح تعود إلى وول ستريت والبنوك والمستثمرين الأمريكيين، بينما تبقى الدول المنتجة فقيرة رغم ثرواتها الطبيعية.
السلاح والعقوبات: أدوات السيطرة
لم تقتصر الهيمنة على الاقتصاد، بل امتدت إلى السياسة عبر العقوبات والحصار وتجميد الأموال وحتى إشعال الحروب بالوكالة. من العراق وليبيا إلى سوريا وإيران وفنزويلا، كانت العقوبات والسلاح أدوات لإخضاع الدول التي حاولت الخروج عن النظام المفروض.
أمريكا جعلت العالم يعمل وينتج ويتعب، ثم يأخذ أجره بالدولار الذي تطبعه هي بلا غطاء. هذه المنظومة ليست مجرد سياسة اقتصادية، بل شبكة متكاملة من السيطرة المالية والسياسية والعسكرية، جعلت العالم في دائرة لا تنتهي من التبعية.
الأزمات الاقتصادية الراهنة
ما نشهده اليوم من أزمات اقتصادية متلاحقة في العالم ليس معزولًا عن هذه المنظومة التي أرستها الولايات المتحدة منذ منتصف القرن الماضي. فالتضخم العالمي، وتقلبات أسعار الطاقة، وأزمات الديون في دول الجنوب، كلها ترتبط بشكل مباشر بسياسات الدولار والبترودولار، وبشروط صندوق النقد الدولي التي تفرض على الدول التخلي عن سيادتها الاقتصادية مقابل قروض قصيرة الأجل.
لقد أصبح الدولار أداة ضغط سياسي واقتصادي، حيث يمكن لواشنطن أن تستخدمه كسلاح في مواجهة أي دولة تحاول بناء نموذج اقتصادي مستقل. ومع استمرار الحروب بالوكالة والعقوبات الاقتصادية، تتفاقم الأزمات في مناطق مثل الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، لتبقى الشعوب رهينة نظام مالي عالمي غير عادل.
في ظل هذه الظروف، تتزايد الدعوات لإيجاد بدائل للنظام المالي القائم، سواء عبر تعزيز التبادل التجاري بالعملات المحلية، أو عبر بناء تكتلات اقتصادية جديدة تسعى إلى التحرر من هيمنة الدولار. ومع ذلك، فإن الطريق نحو استقلال اقتصادي عالمي ما يزال مليئًا بالتحديات، خاصة مع استمرار النفوذ الأمريكي في المؤسسات المالية الدولية.
بهذا، يتضح أن ما بدأ كخطة لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية تحول إلى شبكة معقدة من السيطرة المالية والسياسية، انعكست آثارها على كل أزمة اقتصادية يعيشها العالم اليوم.
هل ترغب أن أطور هذه الصياغة لتشمل سيناريوهات مستقبلية محتملة حول انهيار نظام البترودولار وصعود بدائل مثل اليوان أو العملات الرقمية؟
مع تزايد الأزمات الاقتصادية العالمية وتراجع الثقة في النظام المالي القائم، يلوح في الأفق احتمال انهيار منظومة البترودولار التي هيمنت على الاقتصاد الدولي لعقود. هذا السيناريو قد يتبلور مع تنامي توجه بعض الدول الكبرى نحو تقليل الاعتماد على الدولار في تجارتها، والبحث عن بدائل أكثر استقلالية.
صعود اليوان الصيني
الصين، باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تعمل على تعزيز مكانة عملتها “اليوان” في التجارة الدولية. ومع توسع مبادرة “الحزام والطريق”، وتوقيع اتفاقيات لتسوية المدفوعات باليوان مع دول عدة، قد يصبح اليوان منافسًا حقيقيًا للدولار في المستقبل القريب، خاصة في أسواق الطاقة والمواد الخام.
العملات الرقمية والبنوك المركزية
العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية (CBDC) تمثل خيارًا آخر يهدد هيمنة الدولار. فإطلاق عملات رقمية رسمية مثل “اليوان الرقمي” أو “الروبل الرقمي” يتيح للدول إجراء معاملات دولية خارج النظام المالي التقليدي الذي تسيطر عليه واشنطن، ما يقلل من تأثير العقوبات الأمريكية ويمنح الدول استقلالية أكبر.
التكتلات الاقتصادية الجديدة
منظمة “بريكس” مثال بارز على محاولات بناء نظام اقتصادي بديل، حيث تسعى دول مثل روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا إلى تعزيز التعاون التجاري باستخدام عملاتها المحلية أو عبر إنشاء عملة مشتركة مستقبلية. هذا التوجه يعكس رغبة متزايدة في التحرر من قيود الدولار والبترودولار.
انعكاسات محتملة
انهيار البترودولار لن يكون حدثًا مفاجئًا، بل عملية تدريجية تترافق مع إعادة تشكيل النظام المالي العالمي. في حال تحقق هذا السيناريو، ستفقد الولايات المتحدة أحد أهم أدوات نفوذها الاقتصادي والسياسي، بينما ستكتسب الدول النامية فرصًا أكبر لبناء نماذج اقتصادية مستقلة بعيدًا عن فخ الديون والعقوبات.




