الصراط المستقيم

شهر القرآن: ميلاد جديد للإنسان وللإنسانية

بقلم / الدكتور أمين رمضان

عندما يهل هلال شهر رمضان، يجب أن تتجه القلوب والأبصار إلى السماء، لا لترقب مواقيت الصيام فحسب، بل لتستحضر ذكرى الحدث الأعظم في تاريخ البشرية: لحظة اتصال الأرض بالسماء بنزول القرآن الكريم. إن شهر رمضان ليس مجرد شهر للكف عن الشهوات، بل هو الوعاء الزمني الذي اختاره الله لينزل فيه الكتاب الذي أحيا البشرية وأعاد صياغة وجودها يوماً ما، والحضيض الذي وصلت إليه البشرية اليوم تجعلها في أمس الحاجة لهذا الهدي الرباني، لكنها تقف منه موقف العداء، رغم أنه حبل النجاة لها من الهاوية التي تهوي إليها، ولن ينقذها غرورها بكل انتاجها المادي المذهل، لأنه سيكون وبالاً عليها، عندما تغيب القيم الإنسانية عن أسلحة الدمار المتربصة بكل أشكال الحياة على الأرض لتنقض عليها في لحظة طائشة، كما حدث من قبل.

يقول الله تعالى عن القرآن الذي أنزل في شهر رمضان، أنه هدى للناس: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (سورة البقرة: 185.                         

فلم يكن نزول القرآن إلا “ميلاداً جديداً للإنسان”، أعظم في حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته الجسدية الأولى. لقد كانت البشرية قبل هذا النور تعيش في “موات” روحي، لا تملك تصوراً واضحاً للوجود ولا منهجاً قويماً للحياة، حتى جاء هذا النور فبعث فيها الحياة.

وقد صور القرآن هذا التحول من “الموت ” إلى “الحياة ” في قوله تعالى: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا (سورة الأنعام: 122.

لقد أعطت هذه الآية معنى جديد لمفهوم الموت والحياة، فكم من الناس يعيشون فوق أديم الأرض لكنهم أموات، وكم من أموات تحت الثرى لكنهم أحياء.

في هذا الشهر، نتذكر كيف ربى القرآن القبائل العربية المتناثرة والمتناحرة، التي لم يكن لها في ميزان العالم وزن ولا ذكر، فأنشأها نشأة أخرى. لقد حولها من رعاة للإبل والغنم إلى قادة للأمم، ومن طلاب ثأر ومغنم إلى دعاة هدى ورحمة. لم يكن هذا التغيير نتاج تطور اقتصادي أو اجتماعي، بل كان نتاج “الميلاد الجديد” الذي أحدثه القرآن في النفوس، حين منح الإنسان وجوداً إنسانياً كريماً، وحرره من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد.

واليوم تكتوي البشرية بنار الثأر والمغنم في أرجاء الأرض كلها، بعد انتكاس القيم، لتصبح القوة الغاشمة هي اللغة التي يفرض بها الأقوياء سيطرتهم واستغلالهم للأمم الضعيفة.

إن الاحتفال الحقيقي بشهر القرآن لا يكون بمجرد التلاوة اللفظية لآيات الكتاب، بل باستشعار أن هذا القرآن يتنزل اللحظة ليخاطب واقعنا، وليعيد “ميلادنا” من جديد، مخرجاً إيانا من ظلمات المادة والتيه إلى نور الهداية والاستقامة، كما أخرج جيل رباني من قبل. إنه شهر تجديد العهد مع النفس لتبدأ رحلة التزكية والفلاح في عالم الإنسان.

الدكتور / أمين رمضان

30 شعبان 1447 ه

18 فبراير 2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى