المجتمعليبيا

شهر رمضان في ليبيا..عادات وتقاليد رمضانية فريدة

كتبت – د.هيام الإبس

يستقبل الليبيون شهر رمضان بعادات وتقاليد مميزة تضفي على الشهر الفضيل نكهة خاصة، حيث تتجلى مظاهر الوحدة والتكافل الاجتماعي في كل مدينة وقرية، وتتنوع العادات الرمضانية من طرابلس إلى بنغازي ودرنة والجبل الغربي، لتشكل فسيفساء ثقافية فريدة تعكس الهوية الليبية.

ويستعد الليبيون للشهر الكريم بتجهيز المنازل وتزيين الشوارع، وتتزين الأسواق بالاهلة والفوانيس، وتزدحم بالمواطنين لشراء مستلزمات رمضان من لحوم وخضروات وتمور، كما تنشط المبادرات الاهلية والرسمية للتعبير عن الفرحة بقدوم الشهر الفضيل.

وتساهم اختلافات الأجواء الرمضانية في عدد من المدن الليبية، والخصائص المميزة لكل مدينة، في رسم صورة متكاملة للهوية الرمضانية في ليبيا بأبعادها الاجتماعية والروحية والثقافية.

رمضان في طرابلس.. مزيج من الاصالة والحداثة

يحل رمضان على مدينة طرابلس  بطابع اندلسي صوفي، حيث يجتمع الطرابلسية على اختلاف اصولهم وخلفياتهم في هذا الشهر الفضيل لترميم ما تصدع من الروح.

حيث تبدأ التجهيزات الرمضانية في طرابلس من أول سحور، كما تبدأ العبادات من عتبات البيوت وتوزع الحلويات التقليدية مثل الحلقوم على الصغار والكبار، وتزين موائد الضيوف بالبقلاوة والعبمبر والروزاطا، ويرش ماء الزهر على الأيدي والوجوه في تقليد يوحي بالتطهر من عناء العام، قبل التوجه إلى جامع مولاي محمد لتأدية صلاة التراويح.

نهار رمضان في طرابلس يعج بالحركة في الأسواق وتفوح منه الروائح الزكية، ويقود المزاج الطرابلسي زواره نحو مطاحن البن استعداداً لسهرات طويلة.

رمضان فى بنغازى.. روح التكافل فى سوق الحوت

تستعيد المدينة القديمة وميدان الشهدان بريقهما وحيويتهما، بعد صلاة التراويح، حيث تختلط روائح المسك والجاوي واللبان، وتلتف اللمات حول الشاي بالشكشوكة واللوز المحمص والكاكاوية.

يذكر أن الاوضاع الاقتصادية فى بنغازى لم تنل من استعداد الاهالي لاستقبال شهر رمضان، على الرغم من الغلاء المعيشي اللافت الذي شهدته ليبيا هذا العام وما صاحبه من شح في الوقود والغاز واختلال في السيولة النقدية.

وتعتبر “اللمة” هي الركن الأوثق في مدينة بنغازي وتبلغ ذروتها في منطقة سوق الحوت بوسط المدينة، وهي منطقة عرفت ويلات الحرب لكنها حافظت على روحها الاجتماعية، فهناك يُقام سوق شعبي بمحاذاة البحر يعرض فيه الباعة مأكولات منزلية وأشغال يدوية صنعتها الأيدي في البيوت في مشهد يجسد تكامل الأدوار داخل الاسرة الواحدة.

رمضان فى درنة..ذكريات الناعورة ونكهة التوابل الخاصة

يُعد سوق الحوت ليس مجرد مركز للبيع، بل هو ملتقى للأهل والأصدقاء، ومكان لاستعادة الذكريات وتبادل الأحاديث التي تمتد إلى زمن أقدم، ويزيد من خصوصية المكان إطلالته على كورنيش مدينة بنغازي الذى أصبح بعد صيانته متنفساً للعائلات.

صفارة انذار في درنة 

 “الناعورة” وهي تسمية محلية درج أهل درنة على استخدامها وتعني صفارة انذار، وكانت تستخدم للتحذير من الغارات الجوية في الحرب العالمية الثانية، ثم استخدمت للإعلان عن قدوم شهر رمضان ثم للتنبيه إلى موعد الإفطار، قبل ان يستعاض عنها لاحقاً بمدفع رمضان، كما أن لدرنة طريقة خاصة في تتبيل وتنكيه جميع الماكولات مثل الشوربة الدرناوية والشاي المنكه بالورد الطبيعي وبالتفاح.

رمضان في الجبل الغربي..مزيج من التقاليد العربية والامازيغية

يمتاز رمضان في مدن الجبل الغربي وأريافه بتقاليده الدينية واللقاءات الجماعية، وتضم المائدة على الرمضانية في مدن الجبل الغربي مثل غريان ويفرن والزاوية الجبلية وجبات كالبازين المصنوع من دقيق الشعير بمرق اللحم والفتات والشوربة الليبية.

وأكثر ما يميز رمضان في مدن الجبل هو التعايش السلمي الذي يجمع العرب والامازيغ، فالعائلات العربية تتمسك باصالة مائدتها التي تتربع عليها الشوربة الليبية والبازين، ويتجمع افراد الاسرة الواحدة حول القصعة، في حين يضيف المكون الامازيغي نكهته الخاصة بطقوسه العريقة فتبزر أطباق مثل “تاميلت” وخبز “تادغارت” المطهو بعناية.

وتشتهر العائلات الامازيغية ببدء فطورها بالتمر واللبن وزيت الزيتون الأصلي الذي يشتهر به الجبل الغربي، كما تحافظ هذه المدن على إعداد وجبات الإفطار بكميات كبيرة تشارك فيها الأسر والجيران ويتناولون الإفطار معاً ضمن تجمعات تعكس التكافل والحفاظ على الإرث الغذائي لمدن الجبل.

المائدة الليبية..تنوع وغنى فى الأطباق الرمضانية

وتتميز المائدة الليبية في رمضان بتنوعها وغناها بالأطباق التقليدية التي تضفي على الشهر الفضيل نكهة خاصة، ومن ابرز الماكولات التي تميز المائدة الليبية الشوربة الليبية والمبطن والبوراك والكسكسي والبازين، بالإضافة إلى الحلويات التقليدية مثل الزلابية والدبلة والمقروض ولقمة القاضي، والمشروبات التقليدية مثل الروزاطا والحليب بالتمر مع البسيسة.

وتعتبر الشوربة الليبية حساء يعد من مرق اللحم مع الخضروات والتوابل ويضاف إليها لسان العصفور بإضافة الكسبرة والنعناع المجفف، وتقدم مع الخبز الساخن وهي أساسية على المائدة، أما المبطن فهو عبارة عن بطاطا محشوة بخليط من اللحم المفروم والأعشاب والتوابل وتغلف بالدقيق ثم البيض وتقلى حتى يكتسي لونها باللون الذهبي المقرمش.

وفى السحور، تتربع العصيدة المغمورة بزيت الزيتون والعسل على المائدة لتهيئ الجسد لصبر صيام طويل.

تكافل اجتماعى.. قيم تتجسد فى رمضان

تتجلى في شهر رمضان قيم التكافل الاجتماعي والترابط الاسري، حيث تستعاد صلات القربى وترمم ما اضعفته مشاغل العام، ويتجاور الأجيال حول مائدة الافطار أو السحور لتبادل الحكايات والذكريات، وتنتشر مظاهر التكافل الاجتماعي من تبادل صحون الأكل بين الجيران (الذوقة) إلى موائد الرحمن والافطارات الجماعية ومبادرات الكشافة والشباب في توزيع الماء والتمر على المارة قبيل الاذان.

 

وتمتاز الأجواء الرمضانية بالإيقاع الرياضي والنشاطات البدنية، فتكثر دوريات كرة القدم بين الأحياء ورياضات الجري قبيل المغيب، وعلى امتداد كورنيش الصابري بمدينة بنغازي تظهر أنشطة مختلفة تستقطب هواة سباقات السيارات على الرمال إلى جانب كرة القدم الشاطئية، وخلال العامين الاخيرين برزت في مدينة بنغازي مسابقات الكارتينغ وسباقات الدرفت.

وتظل التفاصيل الصغيرة هىٌ ما يمنح رمضان النكهة والهوية الليبية التي تمارس في البيوت والأسواق والشوارع في مشهد يلتقي فيه الدين بالعرف والروح بالعادات والإنسان بالإنسان.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى