احدث الاخبارالرياضة

عندما يرصد المستطيل الأخضر استفتاء الجماهير العربية للوحدة (3) 8 سيوف في غمدٍ واحد

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

 

لم تكن اللحظة التي وقفت فيها الجماهير العربية تصفق لمنتخب عربي آخر مجرد مشهد رياضي عابر، بل كانت لحظة كشفت شيئًا أعمق بكثير من نتيجة مباراة أو تأهل منتخب كانت لحظة أسقطت كل الأسئلة التي اعتدنا أن نطرحها عن الهوية والانتماء، وأجابت عنها القلوب قبل العقول.

المستطيل الأخضر وذاكرة الأمة 

في كأس العالم 2026، لم تكن الكرة وحدها هي التي تتدحرج فوق المستطيل الأخضر، بل كانت معها ذاكرة أمة كاملة ومع كل صافرة بداية، كانت ملايين القلوب العربية تترك همومها اليومية قليلًا، لتجتمع حول حلم واحد، لا يفرق فيه بين المشرق والمغرب، ولا بين الخليج ووادي النيل، ولا بين شمال إفريقيا وبلاد الشام.

للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدا وكأن الوطن العربي، بكل ما يحمله من تنوع واختلاف، قد جلس على مقعد واحد في مدرجات العالم، يصفق بصوت واحد، ويحزن بقلب واحد، ويحلم بحلم واحد.

ثماني منتخبات عربية حضرت إلى المونديال، لكن الحقيقة أن الذي حضر لم يكن ثماني منتخبات فحسب، بل أكثر من أربعمائة مليون عربي وجدوا في تلك المنتخبات امتدادًا لأحلامهم، ورأوا فيها فرصة نادرة ليقولوا للعالم إن هذه الأمة، رغم كل ما مرت به، ما زالت تعرف كيف تتحد عندما تناديها الكرامة والفرح.

منذ سنوات، اعتدنا أن نقرأ عن الانقسامات العربية أكثر مما نقرأ عن المشتركات أصبحت نشرات الأخبار مليئة بالخلافات، حتى كاد الجيل الجديد يظن أن التباعد هو الأصل، وأن التقارب مجرد ذكرى في كتب التاريخ.

إعادة ترتيب المشهد النفسي للعرب

لكن كرة القدم فعلت ما لا تستطيع نشرات الأخبار فعله ففي تسعين دقيقة، أعادت ترتيب المشهد النفسي للعرب لم يسأل المشجع المصري لماذا أشجع منتخبًا من الخليج ولم يسأل المغربي لماذا أفرح لانتصار منتخب من المشرق ولم يتوقف العراقي عند اختلاف اللهجات ولم ينظر الجزائري إلى المسافات التي تفصل العواصم.

كان الجميع ينظر في اتجاه واحد فقط…نحو المرمى.وهناك، على المستطيل الأخضر، تلاشت التفاصيل الصغيرة، وبقيت الحقيقة الكبيرة: نحن ننتمي إلى قصة واحدة.

قد يظن البعض أن ما حدث مجرد عاطفة رياضية مؤقتة، لكن علم الاجتماع يخبرنا أن اللحظات التي تتوحد فيها مشاعر الجماهير تكشف عن البنية العميقة للمجتمعات أكثر مما تكشفه استطلاعات الرأي فالإنسان لا يجامل في لحظة الفرح ولا يتصنع دموعه عندما يخسر ولا يحتاج إلى تعليمات حتى يهتف من قلبه.

مدرجات كأس العالم أشبه بصندوق اقتراع مفتوح

لهذا كانت مدرجات كأس العالم أشبه بصندوق اقتراع مفتوح، لم تصوت فيه الجماهير لأسماء المنتخبات فقط، بل صوتت لفكرة أكبر؛ فكرة أن الروابط الإنسانية والثقافية بين العرب ما زالت أقوى من كل ما حاول الزمن أن يزرعه من مسافات.

أجمل ما في تلك الأيام أن الوحدة لم تكن شعارًا مكتوبًا على لافتة، بل سلوكًا يوميًا:

  • رأينا الأعلام العربية تتجاور في المدرجات دون حساسية.
  • ورأينا الأطفال يلتقطون الصور وهم يحملون أكثر من علم عربي.
  • ورأينا المشجعين يتبادلون الأوشحة كما لو كانوا أبناء مدينة واحدة.

ورأينا عائلات عربية في المهجر تجتمع حول شاشة واحدة، لا يهمها اسم المنتخب بقدر ما يهمها أن يبقى الحلم العربي حاضرًا في البطولة.

تلك الصور لم تكن مادة إعلامية جميلة فحسب، بل كانت وثائق إنسانية تقول للأجيال القادمة إن الشعوب تعرف بعضها أكثر مما تظن السياسة.

ولعل أكثر ما لفت الانتباه أن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى مساحة عربية مشتركة امتلأت الصفحات برسائل التهنئة والدعاء والدعم اختفت لغة السخرية أمام لحظات الإنجاز وحل محلها خطاب إنساني بسيط، لكنه بالغ التأثير”نحن معكم.”

جملة قصيرة، لكنها كانت تختصر آلاف الكلمات ولم يكن المقصود بها منتخبًا بعينه، بل كل من يحمل راية عربية في هذا المحفل العالمي.

هناك من يرى أن الرياضة مجرد ترفيه لكن التاريخ يقول غير ذلك فكم من صورة رياضية غيرت نظرة العالم إلى شعب وكم من بطولة فتحت أبوابًا للحوار وكم من لاعب أصبح سفيرًا لوطنه أكثر مما فعل كثير من السياسيين.

لهذا لم يكن غريبًا أن يتحول نجاح أي منتخب عربي إلى مساحة أمل مشتركة، يشعر معها المواطن العربي بأن صورته أمام العالم أصبحت أكثر إشراقًا.

إن الأمم لا تبني حضورها بالقوة الصلبة وحدها، بل تبنيه أيضًا بما تتركه في ذاكرة الآخرين من احترام وإعجاب وكرة القدم، في عصرنا الحديث، أصبحت إحدى أهم أدوات هذا الحضور.

لكن يبقى السؤال الأهم… إذا كانت كرة القدم قادرة على جمع هذا الكم الهائل من المشاعر خلال أسابيع قليلة، فلماذا لا نحافظ على هذا الرصيد بعد انتهاء البطولة؟

لماذا تتحول الوحدة إلى ضيف موسمي؟

ولماذا نسمح لصفارة النهاية أن تنهي معها أجمل ما اكتشفناه عن أنفسنا؟

إن المستطيل الأخضر لم يصنع الأخوة العربية، بل كشف عنها لقد أزاح الغبار عن حقيقة كانت موجودة أصلًا فالشعوب لم تتعلم المحبة في كأس العالم، وإنما تذكرتها وهذا فرق كبير.

ثماني منتخبات عربية دخلت المنافسة، لكنها حملت معها رسالة تتجاوز كرة القدم رسالة تقول إن الاختلاف ليس نقيض الوحدة فلكل دولة علمها، ونشيدها، وتاريخها، وخصوصيتها لكن ذلك كله لا يمنع أن تكون جزءًا من فضاء ثقافي وإنساني أوسع.

تمامًا كما أن السيوف الثمانية قد تختلف في أشكال مقابضها، لكنها عندما تجتمع في غمد واحد، تصبح رمزًا للقوة لا للتنافس.

فالعالم العربي ليس نسخة مكررة من نفسها، بل لوحة فسيفساء جميلة، تزداد قيمة كل قطعة فيها لأنها جزء من الصورة الكاملة والوحدة الحقيقية لا تعني الذوبان، بل تعني التكامل ولا تعني إلغاء الخصوصيات، بل احترامها داخل إطار أكبر يجمعها.

ولعل الرسالة الأجمل التي قدمها هذا المونديال أن الشعوب ما زالت تملك القدرة على صناعة الأمل عندما تتاح لها الفرصة لقد أثبتت الجماهير العربية أنها أكثر نضجًا مما يظنه البعض وأنها تعرف كيف تفرح لنجاح الآخرين وكيف تحول المنافسة إلى مساحة للاحترام وكيف تجعل الرياضة جسرًا للمحبة، لا ساحة للعداء.

المكسب الحقيقي الذي لا يقاس بعدد الأهداف

وهذا هو المكسب الحقيقي الذي لا يقاس بعدد الأهداف ولا بعدد النقاط.

سيطوي التاريخ صفحات كأس العالم 2026، وستتغير قوائم الأبطال، وستنسى الجماهير كثيرًا من نتائج المباريات، لكن هناك مشهدًا سيبقى طويلًا في الذاكرة؛ مشهد آلاف الأعلام العربية وهي ترتفع معًا في المدرجات، وملايين الحناجر وهي تدعو بالفوز لأي منتخب يحمل اسمًا عربيًا.

ذلك المشهد لم يكن مجرد احتفال رياضي، بل كان إعلانًا صامتًا بأن الروابط التي تجمع هذه الأمة لا تزال حية، وأنها تنتظر من يمنحها فرصة لتتحول من شعور عابر إلى مشروع دائم.

ولعل أعظم ما علمنا إياه هذا المونديال أن القوة ليست في أن يحمل كل منا سيفه منفردًا، بل في أن ندرك أن السيوف حين تتحد في غمد واحد تصبح أشد هيبة، وأكثر قدرة على الحماية، وأقرب إلى صناعة المستقبل.

قد تنتهي البطولات، وتخفت الأهازيج، وتغادر الجماهير المدرجات، لكن الأوطان التي تحفظ دروس الفرح هي وحدها القادرة على صناعة غدٍ أفضل وإذا كان المستطيل الأخضر قد منحنا فرصة لنرى أجمل ما فينا، فإن مسؤوليتنا تبدأ بعد صافرة النهاية، حين نحول ذلك الشعور النبيل إلى ثقافة، وذلك التعاطف إلى تعاون، وذلك التصفيق المتبادل إلى شراكات حقيقية في العلم، والاقتصاد، والثقافة، والإنسان.

لأن الأمم العظيمة لا تبنى بالانتصارات الرياضية وحدها، وإنما تبنى حين تكتشف أن أعظم انتصار هو أن تؤمن بنفسها، وأن تعرف أن اختلاف راياتها لا يلغي وحدة مصيرها، وأن تعدد أصواتها لا يمنع أن ينبض قلبها بإيقاع واحد عندها فقط يصبح كل علم عربي سيفًا، وتصبح السيوف الثمانية، مهما اختلفت أماكنها، في غمدٍ واحد يحمي الحلم، ويصون الهوية، ويكتب للأجيال القادمة قصة أمة لم تمت، لأنها كلما ظن العالم أنها تفرقت… اجتمعت حول قيمة، أو حلم، أو كرة، لتثبت أن ما يجمعها سيظل دائمًا أكبر بكثير مما يفرقها.

ودائما نقول:

ما يجمع العرب أكبر مما يفرقهم فالهوية العربية لم تمت إنها قادمة

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى