فاتح أفريقيا الجديد (1) .. رجلٌ بأمة؟

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
لم يكن الحضور الإنساني في أفريقيا مجرّد عبور عابر، بل كان مسارًا طويلًا كُتب بالصبر، ودُفع ثمنه من العمر والجهد والمخاطر ففي القارة التي أنهكها الفقر، وغيّبتها الصراعات، وأثقلتها العزلة، شُقَّ طريقٌ مختلف، لم يُعبَّد بالشعارات، بل بالعمل الصامت والمواجهة اليومية مع الواقع القاسي وعلى مدى أكثر من 29 عامًا، نُشر الإسلام في إفريقيا نشرًا عمليًا، لا نظريًا، حتى أسلم على يديه ما يزيد على 11 مليون إنسان، بمعدل يقترب من 972 مسلمًا يوميًا، وهو رقم لا يُقرأ باعتباره إحصاءً، بل باعتباره شهادة على حجم الأثر وعمق الحضور.
التحديات والمحن
خلال هذه السنوات الطويلة، لم يكن الطريق آمناً، ولم يكن العمل محميًا فقد تعرّض هذا الانسان لمحاولات قتل متكررة، نُفّذت من قِبل مليشيات مسلحة، رأت في انتشاره بين الفقراء والمحتاجين تهديدًا مباشرًا لنفوذها ولم تقتصر المخاطر من البشر فقط، بل جاءت الطبيعة نفسها شاهدة على قسوة الطريق؛ إذ حُوصِر أكثر من مرة بأفاعي الكوبرا في موزمبيق وكينيا وملاوي، ونجا منها بأعجوبة كما عانى من لسعات البعوض في القرى النائية، وشحّ المياه، والانقطاع المستمر للكهرباء، والتنقل في بيئات لم تكن مهيأة للحياة الآدمية، فضلًا عن تسلّق جبال كلمنجارو في سبيل الوصول إلى الفقراء، وحمل رسالة التوحيد إلى أماكن لم تكن تُسمع فيها كلمة أمل.
ولم تتوقف المحن عند حدود الطبيعة والميدان، بل امتدت إلى السجون، حيث تعرض لفترات من الأسر، كان أقساها ما تعرّض له على يد النظام البعثي، في تجربة كشفت قسوة الثمن الذي يُدفع حين يُختار طريق الدعوة والعمل الإنساني بعيدًا عن الحسابات السياسية والمصالح الضيقة.
العمل المؤسسي وبناء الأثر
وفي خضم هذه الرحلة، لم يُترك العمل عشوائيًا، بل أُسّس له بنية مؤسسية، تمثلت في تأسيس جمعية لجنة مسلمي إفريقيا، التي تحوّلت إلى مظلة واسعة للعمل الدعوي والإنساني ومن خلالها، شُيّد ما يقارب 5700 مسجد، ورُعي أكثر من 15 ألف يتيم، وحُفرت نحو 9500 بئر ارتوازية، ليُستعاد الحق الأول للإنسان: الماء.
كما أُنشئت 860 مدرسة، وأُسست 4 جامعات، وافتُتح 204 مركز إسلامية، إلى جانب إنشاء 7 محطات إذاعية إسلامية، خُصصت لنشر الوعي وبناء الهوية الدينية بلغات محلية تفهمها الشعوب وتمت كفالة 50 ألف يتيم، وبُني 124 مستشفى ومستوصفًا، إلى جانب 840 مدرسة قرآنية.
وفي المجال التعليمي، دُفعت الرسوم الدراسية 95 ألف طالب مسلم، وطُبعت ملايين النسخ من المصحف الشريف، حيث وُزّعت أكثر من 51 مليون نسخة، إضافة إلى طباعة وتوزيع 605 مليون كتيب إسلامي بلغات إفريقية متعددة، في محاولة جادة لجعل المعرفة الدينية متاحة ومفهومة كما تبرع ب 750 ألف ريال سعودي كلها وهي جائزة الملك فيصل للعمل الإغاثي جعلها وقف للتعليم في افريقيا
الجانب الإغاثي والإنساني
أما في الجانب الإغاثي، فقد نُفذت مشاريع ضخمة لإفطار الصائمين، شملت نحو 40 دولة، وخدمت أكثر من 2 مليون صائم كما دُفعت رواتب شهرية 3288 داعية ومعلّمًا، لضمان استمرارية الرسالة وجرى توزيع ما يزيد على 160 ألف طن من الأغذية والأدوية والملابس، لتخفيف وطأة الحاجة عن ملايين البشر.
هكذا لم يُكتب هذا الأثر بالحبر، بل كُتب بالحياة نفسها ولم تُصنع هذه المسيرة لتُروى كحكاية، بل لتبقى شاهدًا على أن العمل الصادق، حين يُبنى على الإيمان بالفعل، قادر على تغيير وجه قارة بأكملها.
مَن يكون ذلك الرجل الذي قيل عنه إنه (رجلٌ بأمة)؟
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية







