فاتح أفريقيا الجديد (2) بطل سيفه الإنسانية

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في مقالي السابق، تمّ ذكر ما قام به إنسان فريد من نوعه في هذا العالم، دون أن أذكر اسمه صراحة لم يكن ذلك سهوًا، ولا رغبة في الغموض، بل ظنًّا مني أنه بات من الأعلام الذين لا يحتاجون إلى تعريف، ولا إلى تصريح بالاسم ظننت أن أثره أبلغ من اسمه، وأن سيرته أوسع من أن تُختصر في لقب.
لكن الرد جاء صادمًا، فبعض الردود ذكرت الاسم بشكل جيد ومميزًا، لكن الغالبية ذهبت بعيدًا… بعيدًا جدًا، إلى حد جعلني أتساءل: متى قررنا، وبصمتٍ مريب، أن نعلّم أبناءنا أسماء الذين أنقذوا الأرض في المعارك فقط، ونتجاهل أسماء الذين أنقذوا الإنسان نفسه؟
البطولة الحقيقية
نملأ الجدران بصور القادة، والملوك، وأصحاب الضجيج العالي، ونرفعهم بوصفهم رموز النجاح والقوة، ثم نقف لاحقًا في حيرة: لماذا كبر هذا الجيل قاسيًا؟ أنانيًا؟ بلا حسّ إنساني حقيقي؟ كيف نطلب الرحمة ممن لم نزرع في وعيه نموذجًا واحدًا عاشها فعلًا؟
صحيح أن هذا الرجل لم يكن صالحًا لصور الحوائط، لأنه أكبر من أي إطار وأكبر من أن يُعلّق كشكل، أو يُختزل في صورة لكنه كان، ولا يزال، جديرًا بأن يُرى كنموذج وقدوة حية طالما بحثنا عنها
من حق الأجيال القادمة أن تعرف أن البطولة ليست في الضجيج، وأن العظمة لا تُقاس بعدد الأوسمة، بل بعدد الأرواح التي تغيّرت.
هو ليس رجلًا تُروى سيرته في حصة التاريخ، بل ضميرًا كان يجب أن يُزرع في حصة الأخلاق ومع ذلك، لا نجده في المناهج، ولا في الذاكرة العامة، ولا في أحاديثنا اليومية لا لأن أثره ضعيف، بل لأن حضوره يُربكنا نعم، يُربكنا لأنه لا يطلب منا الإعجاب، بل المحاكاة لا يطلب التصفيق، بل يضعنا أمام سؤال مؤلم: ماذا فعلتَ أنت؟
كيف نعلّق صورة رجل ترك الرفاهة، وترك الأمان، وذهب ليعيش بين الجوعى والمحرومين، بينما نُعلّق صور النجاح السريع، ونُعلّم أبناءنا أن البطولة في الوصول لا في الطريق؟ كيف نشرح لطفل أن هذا الرجل اختار أن يرى الموت يوميًا، لا لأنه يحب المعاناة، بل لأنه لم يحتمل فكرة أن يعيش آمنًا بينما الآخرون يموتون بصمت؟
بطل الإنسانية
هو لم يحمل سيفًا، ولم يهتف، ولم يرفع راية، بل حمل الإنسانية… وهذا أصعب. ذهب إلى إفريقيا لا ليُثبت صحة فكرته، ولا لينتصر لنظرية، بل لينقذ بشرًا فقد فهم باكرًا ما تأخرنا نحن في فهمه: أن الجوع لا يُناقَش، وأن المرض لا يُجادَل، وأن الإنسان إذا لم يشعر بعدلك، فلن يسمع حديثك ولا يتبع إيمانك.
لذلك، أسلم على يديه الملايين لا لأنهم اقتنعوا بخطابٍ بليغ، بل لأنهم لمسوا رحمة حقيقية والرحمة، حين تكون صادقة، تُقنع أكثر من ألف منبر، وأكثر من ألف خطاب.
لكن الحقيقة المؤلمة أننا لا نحب هذا النوع من النماذج نحن نحب الأبطال الذين يُشبهون أحلامنا، لا الذين يفضحون تقصيرنا.
نحب من يمنحنا شعور الفخر، لا من يوقظ فينا شعور الذنب.
نحب من يقول لنا: أنتم عظماء، لا من يسألنا: أين كنتم حين كان يمكنكم أن تفعلوا شيئًا للأخرين؟
الدكتور عبد الرحمن السميط
من أتحدث عنه هنا، بلا مواربة، هو الداعية الكويتي الدكتور عبد الرحمن السميط، المولود في دولة الكويت 15 / 10 / 1947م وتوفي رحمه الله صباح يوم الخميس 15 / 8 / 2013 ميلادية
رحمة الله عليه وجعل سيرته في موازين أعماله رجل عاش حياته كأن الإنسانية تكليف، لا ترفًا وكأن الإيمان مسؤولية، لا شعارًا.
وربي جيل يفهم أن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه، ليس اسمًا يُردَّد، بل أثرًا لا يُنسى فالإنسانية ليست مادة إضافية، ولا هامشًا اختياريًا، بل جوهر الحياة كلها.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية






