فاتح أفريقيا الجديد (7) السميط…حين يصبح الوعي قرار حياة

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
لم تكن حياة الدكتور عبد الرحمن السميط قبل أفريقيا تسير نحو المجهول لكن على العكس تمامًا، كانت تسير في الطريق الأكثر وضوحًا واستقرارًا.
طبيب ناجح، متعلم في أفضل الجامعات، يحمل مستقبلًا مهنيًا لامعًا، ويملك كل المقومات التي تجعل الحياة هادئة ومريحة. كان يمكن أن يعيش كما يعيش كثير من الأطباء: عيادة مزدحمة، احترام اجتماعي، ودخل يكفي ليبني حياة مستقرة لا ينقصها شيء.
لحظة وعي
لكن حياة بعض الناس لا تتغير بسبب قرار مخطط له، بل بسبب لحظة وعي، قد لا تستغرق سوى دقائق، لكنها قادرة على أن تعيد ترتيب العالم كله في داخلك.
كانت تلك اللحظة حين وصل إلى إفريقيا لأول مرة اللحظة التي لم يعد بعدها كما كان.
لم يكن قد ذهب إليها بصفته منقذًا، ولا بصفته صاحب مشروع ضخم ذهب ليرى، ليتعرف، وربما ليشارك في عمل خيري محدود كما يفعل كثيرون لكن ما رآه هناك لم يكن مشهدًا عابرًا يمكن أن يُنسى بسهولة.
رأى أطفالًا بأجساد هزيلة، وأعين واسعة لا تفهم لماذا يبدو العالم قاسيًا إلى هذا الحد رأى قرى كاملة تعيش بلا ماء نظيف، بلا كهرباء، بلا مدارس، وبلا أدنى ضمانة للحياة لم يكن الفقر هناك مجرد ضيق في المال، بل كان نظام حياة كاملًا يقوم على الحرمان.
المشهد لم يكن دراميًا كما في الأفلام لم تكن هناك موسيقى حزينة ولا كاميرات كان الواقع أبسط… ولكنه أقسى.
نظرة طفل جائع تهز الكيان
في إحدى القرى، اقترب منه طفل صغير لم يكن الطفل يبكي، ولم يطلب شيئًا فقط وقف ينظر إليه كأنه يسأله سؤالا لا يحتاج إلى كلمات: لماذا أنت هنا هل يرانا أحد أصلًا؟
ذلك السؤال البسيط كان كافيًا ليهز شيئًا عميقًا في داخله.
في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد رحلة إنسانية، ولا تجربة مؤثرة ستتحول لاحقًا إلى ذكرى أصبح سؤالًا أخلاقيًا ثقيلًا: كيف يمكن لإنسان أن يرى هذا كله… ثم يعود إلى حياته كما كانت؟
بعض الناس يستطيعون ذلك بسهولة يعودون إلى بيوتهم، إلى وظائفهم، إلى حياتهم المريحة، ويقنعون أنفسهم بأن ما رأوه مجرد مشكلة كبيرة لا يستطيع فرد واحد حلها لكن السميط لم يستطع أن يفعل ذلك.
لم يعد قادرًا على رؤية حياته القديمة بالطريقة نفسها العيادة المريحة لم تعد مجرد مكان للعمل، بل أصبحت سؤالًا مزعجًا: كيف يمكن علاج ألم فرد، بينما هناك قارة كاملة تعيش الألم كل يوم؟
لم يكن القرار فوريًا ولا صاخبًا لم يقف يومًا ليعلن أمام الناس أنه سيغيّر حياته التحول الحقيقي لا يحدث بهذه الطريقة التحول يحدث بصمت، في الداخل، ثم يبدأ بالتسلل إلى كل تفاصيل الحياة.
بدأ يفكر بطريقة مختلفة بدأ يرى الفقر ليس كحالة طارئة، بل كمنظومة كاملة تنتج المعاناة بدأ يفهم أن العمل الإنساني الحقيقي لا يقتصر على تقديم المساعدات، بل يتطلب بناء الإنسان نفسه: التعليم، الصحة، الماء، والكرامة.
من تلك اللحظة، بدأت رحلة مختلفة تمامًا
لم يعد عبد الرحمن السميط طبيبًا يعمل في عيادة فقط أصبح طبيبًا يبحث عن علاج لجرح أعمق من المرض جرح اسمه التهميش جرح اسمه الفقر المزمن جرح اسمه أن يعيش الإنسان في العالم دون أن يشعر أن أحدًا يراه.
اختار أن يعيش سنوات طويلة في إفريقيا، بين القرى البعيدة التي لا تصلها الطرق بسهولة. اختار أن يعمل حيث لا توجد رفاهية، ولا أضواء، ولا تصفيق. اختار أن يضع حياته في خدمة فكرة بسيطة لكنها صعبة: أن الإنسان يستحق فرصة عادلة للحياة.
ومع مرور السنوات، لم يعد الأمر مجرد مبادرات صغيرة. تحولت الجهود إلى مشاريع تعليمية، ومستشفيات، وآبار مياه، ومراكز دعوية. تغيرت حياة ملايين البشر، لا لأن شخصًا قرر أن يكون بطلًا، بل لأن شخصًا واحدًا رفض أن يتجاهل ما رآه.
والحقيقة أن قصة عبد الرحمن السميط ليست قصة رجل خارق هي قصة لحظة صدق مع النفس.
كل إنسان قد يمر بلحظة يرى فيها العالم وبين لحظة يدرك فيها حجم الألم الذي يعيشه الآخرون لكن الفرق الحقيقي ليس في الرؤية… بل في القرار الذي يأتي بعدها.
كثيرون يرون قليلون يتغيرون
عبد الرحمن السميط كان واحدًا من أولئك القلائل الذين فهموا أن الوعي لا يكفي وادراك الحقيقية يفرض مسؤولية. ومن يرى الحقيقة بوضوح، لا يعود كما كان قبلها.
وهكذا، لم تكن إفريقيا مجرد محطة في حياته كانت اللحظة التي أعادت تعريف حياته كلها. اللحظة التي قرر فيها، بصمت، أنه لن يعود الرجل نفسه الذي جاء.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية









