أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (9) حقيقية ما لا يُرى… لكنه يحدد قيمة كل ما يُرى

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في زمنٍ طغى فيه الإعلام على كثير من المبادرات الإنسانية، يبرز اسم الدكتور عبد الرحمن السميط كأحد أبرز روّاد العمل الخيري في إفريقيا، حيث لم يكن يبحث عن البطولة ولا عن الأضواء، بل عن الأثر الذي يبقى بعد غياب الأشخاص.

السر في الإخلاص

في أحد لقاءاته التلفزيونية، سُئل الدكتور عبد الرحمن السميط سؤالًا مباشرًا:
“كيف استطعت أن تنجح في كل هذه المشاريع الضخمة في إفريقيا؟”                لم يتحدث عن أرقام، لم يستعرض إنجازات، لم يذكر عدد المساجد، ولا الآبار، ولا المدارس.

قال بهدوء: السر في الإخلاص… إذا صلحت النية، بارك الله في العمل.

هذه ليست اجابة عابرة هذه خلاصة تجربة امتدت لعقود.

وفي لقاءات أخرى كثيرة، كان السميط يتحدث عن العمل الخيري بطريقة مختلفة تمامًا عمّا اعتدنا سماعه.

لم يكن يرى أن المشكلة في قلة الإمكانيات، بل في اضطراب النية لأن العمل الذي يُبنى على نية مضطربة ينهار عند أول تعب أو أول انكسار وكان يكرر أن العمل إذا لم يُبنَ على صدق داخلي، فلن يصمد، مهما بدا قويًا في بدايته.

العمل بعيدًا عن الأضواء

كان يعمل لسنوات طويلة في إفريقيا، في أماكن لا تعرف الكاميرات طريقًا إليها قرى بعيدة، لا كهرباء فيها، ولا طرق ممهدة، ولا حتى حضور إعلامي يُذكر.     لم يكن هناك ما يُغري بالظهور، ولا ما يدفع إلى الاستعراض.

فكم من مشاريع إنسانية توقفت حين اختفى الدعم الإعلامي؟
وكم من مبادرات ماتت لأن صاحبها لم يعد في الصورة؟                                    لكن السميط لم يكن في الصورة أصلًا لأنه كان في الميدان ولأنه لم يكن يبحث عن البطولة، بل عن الأثر والفرق بينهما كبير فالبطولة تُشبع الأنا، والأثر يُنقذ الناس.

العمل الخالص لا يرفع صوته، ولا يطالب بالشكر، ولا يتوقف إذا لم يُكافأ هو يستمر لأن هناك حاجة، لا لأن هناك جمهورًا.

هنا يظهر المعنى الحقيقي للإخلاص

الأن ونحن في زمن أصبحت فيه كثير من الأعمال الإنسانية مرتبطة بالصورة، وبالانتشار، وبالتأثير الإعلامي، كان عبد الرحمن السميط يعمل في صمت.            لم يكن غياب الدكتور السميط  عن الإعلام ضعفًا، بل كان اختيارًا واعيًا لأنه كان يعرف أن العمل الذي يحتاج إلى ضوء دائم… قد لا يكون قادرًا على الاستمرار في الظل.

وقد عُرف عنه، أنه كان يحرص على أن تُنسب الجهود إلى العمل نفسه، لا إلى الأشخاص لم يكن يحب أن يُقدَّم كـ “بطل”، ولا أن يُختزل المشروع في اسمه كان يريد أن يبقى العمل قائمًا، حتى لو غاب.

وفي أحد تصريحاته، قال بوضوح يختصر طريقه كله:
“لا قيمة لحياتي إذا لم أساهم في تغيير الواقع الصعب الذي يعيشه الآخرون”

هذه الجملة لم تكن شعارًا كانت قرار حياة فالإخلاص عند السميط لم يكن فكرة مثالية، بل كان آلية عمل كان يرى أن النية هي ما يحدد عمر المشروع.

ما يُبنى لله يستمر… حتى لو لم يره أحد

      فالمشروع الذي يُبنى لإرضاء الناس، ينتهي حين يتغير مزاجهم والمشروع الذي يُبنى على الظهور، يضعف حين تغيب الأضواء.   

 أما ما يُبنى لله، فيستمر… حتى لو لم يره أحد.

ولهذا، لم يكن يسأل: كم سيشاهد هذا العمل؟
بل كان السؤال: كم سيستمر؟

ولم يكن يفكر: كيف سنُظهر هذا المشروع؟
بل كان الهدف: كيف سنُثبّته؟

الفرق بسيط في الظاهر، لكنه عميق في النتيجة فكثيرون يبدأون بحماس، وقليلون يستمرون بثبات.

والسبب غالبًا ليس في نقص الموارد، بل في نقص المعنى.

عبد الرحمن السميط كان يعمل بمعنى واضح: أن الإنسان يستحق أن يُخدم بصدق، لا أن يُستخدم كوسيلة ولهذا، استمرت مشاريعه ليس لأنها كانت الأكبر، بل لأنها كانت الأصدق.

لم يكن الإخلاص عنده يعني إخفاء العمل، بل تحريره من الحاجة إلى التصفيق.    لم يكن يرفض التوثيق، لكنه كان يرفض أن يتحول العمل إلى عرض.             كان يعرف أن الاعتراف قد يُحفّز، لكنه قد يُفسد أيضًا، إذا أصبح هو الهدف ولهذا، كان يوازن… دون ضجيج.

قصة عبد الرحمن السميط لا تُلهمنا لأنه فعل ما لم نفعله فقط، بل لأنها تُجبرنا أن نعيد التفكير في: لماذا نفعل ما نفعل؟

الإيمان إذا لم يتحول إلى فعل، فهو فكرة مؤجلة

عبد الرحمن السميط لم يكن خطيبًا، ولا صاحب شعارات رنانة كان يؤمن أن الإيمان إذا لم يتحول إلى فعل، فهو فكرة مؤجلة.

وفي إفريقيا، لم يكن أحد بحاجة إلى محاضرة عن الرحمة، بل إلى ماء، وعلاج، ومدرسة.

لذا عندما يربط العالم القيم بما يُرى، يأتي نموذج مثله ليقول: القيمة الحقيقية… فيما يبقى.

قد نكون لا نستطيع أن نعيش تجربته، لكننا نستطيع أن نأخذ منها مبدأً واحدًا يغيّر كل شيء: أن يكون ما نفعله صادقًا… حتى لو لم يره أحد.

لأن العمل الذي يُبنى على الإخلاص، لا يحتاج إلى ضوء ليُكمل طريقه،
ولا إلى اسم ليبقى، بل يكفيه… أن يكون صادقا.

والصدق يعني أن تتحمل كلفة الالتزام: التعب، الشك، التأخير، وأحيانًا سوء الفهم.

فكثيرون يؤمنون بالقيم طالما لا تتطلب منهم تضحية لكن أول اختبار حقيقي للإيمان
هو حين يصبح مُكلفًا.

عبد الرحمن السميط لم يكن يبحث عن إثبات إيمانه، بل عن أثره لذا لم يكن معنيًا بأن يُرى، بل بأن يُثمر.

فالإيمان عنده هو أن تستمر حتى حين لا يصفق لك أحد، وحتى حين لا تُنسب النتائج إليك.

وهنا الفرق الجوهري: الإيمان بالكلام يُرضي النفس البشرية، أما الإيمان بالفعل
فيُغيّر الواقع.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى