فانوس رمضان حكاية رمز لا ينطفئ .. وأيقونة الشهر الكريم عبر العصور

كتبت – د.هيام الإبس
في كل عام، مع رؤية هلال شهر رمضان، تتزين الشوارع والأزقة بألوان البهجة وتعم أجواء الفرح والاحتفال، ومن بين أبرز الرموز التي ارتبطت بهذا الشهر الكريم عبر العصور، يبرز فانوس رمضان الذي تحول عبر أكثر من ألف عام من مجرد “مشكاة” للإضاءة إلى أيقونة البهجة الرمضانية الأولى.
فانوس رمضان أحد أبرز الرموز التراثية للشهر الكريم، نشأ في مصر في العصر الفاطمي قبل أكثر من ألف عام، وقد حوّل من أداة للإضاءة إلى رمز للفرح والبهجة يزيّن الشوارع والمنازل.
الأصل التاريخي للفانوس
تشير أغلب الروايات التاريخية إلى أن فانوس رمضان بدأ في مصر، وتحديداً في العصر الفاطمي، قبل أكثر من ألف عام
يروى أن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله وصل إلى القاهرة ليلة الخامس من رمضان عام 358 هـ/969 م، فخرج المصريون في موكب كبير على أطراف الصحراء الغربية بمنطقة الجيزة حاملين المشاعل والفوانيس لإضاءة الطريق والترحيب بالخليفة.
ومنذ تلك اللحظة أصبح الفانوس مرتبطاً بالفرح الرمضاني، ويتكرر هذا المشهد سنوياً حتى ترسخ كطقس شعبى رمزى.
كما تُشير بعض الروايات إلى أن الخلفاء الفاطميين كانوا يخرجون لاستطلاع هلال رمضان ويصطحبهم الأطفال حاملين الفوانيس الصغيرة، مرددين الأغاني الرمضانية ابتهاجًا بقدوم الشهر، وهكذا أصبح الفانوس جزءًا من الطقوس الرمضانية الشعبية .
وهناك رواية فريدة تقول إن الحاكم بأمر الله سمح للنساء بالخروج في رمضان بصحبة غلام يحمل فانوسًا ليضيء الطريق ويحمي خصوصيتهن، ما أضفى للعادة بعداً اجتماعيًا خاصًا .
تطور صناعة الفانوس
فى البداية ، كانت الفوانيس تصنع من المعدن والزجاج وتضاء بالشموع أو الزيت، ثم تطورت في العصر المملوكي والعثماني بإضافة الزخارف الهندسية والألوان الزاهية .
وفى القرن العشرين، انتشرت صناعة الفوانيس في أحياء القاهرة القديمة مثل السيدة زينب والغورية والحسين، وتعتمد اليوم على الزجاج المصقول والنحاس والشموع أو الكهرباء، مع الحفاظ على الطابع التراثي .
كما ظهرت أشكال جديدة من البلاستيك تعمل بالبطاريات وتصدر ألحانًا وأنغامًا رمضانية لجذب الأطفال .
الفانوس في التراث والمجتمع
وأصبح الفانوس رمزاً للبهجة وتجسيداً للفرح الرمضاني، ويعتبر جزءًا من الذكريات الطفولية والهوية الثقافية في مصر والدول العربية الأخرى .
ويرتبط بمظاهر مثل أناشيد الأطفال، المسحراتي، وإضاءات الشرفات والأسواق، ويضيف جواً خاصًّا للمناسبات الرمضانية مع العائلة والمجتمع .
كما أصبح الفانوس أيضًا محور المسابقات والفعاليات، ويعزز التلاحم الاجتماعي ويجسد روح التضامن والصلة بين أفراد المجتمع
الانتشار العالمي
انتقلت فكرة فانوس رمضان من مصر إلى بقية الدول العربية مثل دمشق وحلب والقدس وغزة، وحتى إلى بعض الدول الغربية، حيث يظهر في المحال العربية والأحياء المحتفية بالشهر الكريم، محتفظاً بروحه التراثية رغم اختلاف الأشكال والمواد .
فانوس رمضان ليس مجرد أداة للإنارة، بل أيقونة رمضانية تعكس الفرح، والتقاليد، والتراث المصري والعربي، وتحمل في طياتها تاريخًا يمتد لأكثر من ألف عام، من القاهرة الفاطمية إلى العالم العربي والغرب، ظل الفانوس علامة مميزة تفتح أبواب الذكريات والبهجة للأطفال والكبار على حد سواء، وتجسد روح الشهر الكريم في حياتهم اليومية.
نور يحمل ذاكرة التاريخ
هذا الفانوس ليس مجرد زينة تعلق أو لعبة يحملها الأطفال، بل إرث تاريخي عريق، يحمل قصة ممتدة عبر الزمن
الفانوس مصري الأصل
ويمكن القول إن الفانوس الرمضاني بشكله التقليدي وارتباطه بالشهر الكريم بدأ فعلاً في مصر، ثم انتقل إلى بقية البلدان العربية والإسلامية حتى أصبح جزءاً من التراث الرمضاني المشترك.
ورغم أن الفوانيس كأداة إضاءة كانت معروفة في حضارات مختلفة، فإن تخصيصها لرمضان وتحويلها إلى رمز للفرح الشعبي هو ما ميز التجربة المصرية.
ولم يعد الفانوس حكراً على مصر، فقد انتقل إلى معظم الدول العربية وأصبح جزءاً من تراث رمضان. واليوم، نراه بأحجام هائلة تزين الميادين في الدول العربية، بل ويحتفل به في مهرجانات بأستراليا وأوروبا.
وشهدت صناعة الفوانيس في مصر تطوراً كبيراً عبر العصور، حتى أصبحت حرفة تراثية متوارثة تحمل بين تفاصيلها تاريخاً غنياً وإبداعاً متجدداً.
وفي السنوات الأخيرة، ظهرت أشكال جديدة من الفوانيس، بعضها مصنوع من البلاستيك، وبعضها يعمل بالبطاريات ويصدر أصواتاً وأغاني رمضانية، ما جذب الأطفال بشكل كبير، كما دخلت الفوانيس المستوردة الأسواق المصرية، وأثرت على الصناعة اليدوية التقليدية، إلا أن الفانوس المصري المصنوع يدوياً ما يزال يحتفظ بقيمته التراثية ومكانته الخاصة.
ورغم تطور الأشكال والخامات، تبقى صناعة الفوانيس في مصر شاهداً حياً على براعة الحرفيين المصريين وقدرتهم على تحويل قطعة بسيطة إلى رمز للفرح والهوية.
وهكذا، ظل فانوس رمضان عبر القرون أكثر من مجرد ضوء يبدد الظلام، بل أصبح نوراً يحمل في داخله ذاكرة التاريخ، ودفء الطفولة، وروح الشهر الكريم، فكلما أضاء فانوس في ليلة رمضانية، أضاء معه جزء من التراث والهوية والفرح الذي لا ينطفئ.




