أراء وقراءات

في رحاب السكينة والدعاء

كتب – الدكتور أمين رمضان 

في ثنايا آيات الصيام، وبين تفصيلات الأحكام الفقهية للإمساك والإفطار، تطل علينا آية عجيبة، تسكب في قلب الصائم السكينة، والرضى المطمئن. إنها آية الدعاء التي تتوسط آيات الصيام، يقول الحق سبحانه: [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ] سورة البقرة: 186.

في مواضع كثيرة في القرآن، يأتي السؤال للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيأتي التوجيه الإلهي له: “قل لهم كذا”. إلا في هذا الموضع، لم يقل الله لرسوله “فقل لهم إني قريب”، ولم يترك واسطة بينه سبحانه وبين عباده، بل تولى سبحانه بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال، فقال مباشرة: [فَإِنِّي قَرِيبٌ].

بل إنه سبحانه لم يقل “أسمع الدعاء”، وإنما عجل بالإجابة وبشر بها فوراً فقال: [أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ] إنها آية تملأ الكيان باليقين، والسكينة، والرضى.

ربما يجد المتدبر للقرآن أن وضع هذه الآية بين آيات الصيام يحمل دلالة عميقة، فإذا كان الصيام يمثل نوعاً من المشقة وحرمان النفس من مألوفاتها، فإن الله يفتح لعباده باب هذا “الأنس الحبيب” ليكون زاداً لهم، وملاذاً يفيض عليهم بالسكينة التي تعينهم لتحمل المشقات. وفي ظل هذا القرب الرباني، يوجه الله عباده إلى الاستجابة له والإيمان به [فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي]، لعل هذا القرب يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح [لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ].

وربما يكون هناك ملمح آخر، وهو الحالة التي ينطلق منها الدعاء، وهو هنا حالة الصيام التي تشف فيها الروح حين ينتصر الإنسان على شهواته، وتصوم جوارحه عن الذنوب والمعاصي.

الدكتور / أمين رمضان

2 رمضان 1447 ه / 20 فبراير 2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى