أراء وقراءات

قراءة واقع العالم المعاصر: أزمة الهدف والمعنى من خلال رؤية 6 من كبار المفكرين 

بقلم / عصام زايد

رغم ما يعيشه العالم اليوم من تقدم تقني هائل، وتسارع اقتصادي غير مسبوق، وكثافة في المؤسسات والمنظمات، فإن الشعور العام السائد للبشرية ليس الطمأنينة ولا اليقين، بل القلق والتيه والاضطراب. هذه المفارقة تفتح بابا لسؤال جوهري: هل مشكلتنا في نقص الموارد أم في غياب الرؤية؟

من خلال عدسة ستة مفكرين كبار: مالك بن نبي، ابن خلدون، عبد الوهاب المسيري، جمال حمدان، بيتر دراكر، وستيفن كوفي، يمكن قراءة واقع العالم قراءة تفسيرية عميقة، لا تقف عند الظواهر، بل تنفذ إلى الجذور.

أولا: العالم بعيون مالك بن نبي – وفرة الوسائل وفقر الفكرة

في الاقتصاد العالمي اليوم، نرى شركات تفوق ميزانياتها ميزانيات دول، وتكنولوجيا تخترق كل تفاصيل الحياة. ومع ذلك تتفاقم الفجوات الاجتماعية، ويزداد القلق الوجودي. يفسر مالك بن نبي هذا التناقض بقوله إن الحضارة لا تقوم بتكديس الأشياء، بل بامتلاك فكرة تحركها. العالم اليوم يملك الوسائل، لكنه يفتقد الفكرة الجامعة التي تعطي لهذه الوسائل معنى واتجاها.

ثانيا: العالم بعيون ابن خلدون – مرحلة الترف المتأخر

كثير من الدول الكبرى تعيش ذروة الرفاه، لكنها تعاني في الوقت ذاته من استقطاب داخلي، وتآكل الثقة، وديون متراكمة. هذه مظاهر ما يسميه ابن خلدون مرحلة الترف، حيث تبقى القوة المادية، لكن الغاية التي كانت توحد المجتمع تذبل تدريجيا. السقوط هنا لا يكون فجائيا، بل يبدأ تدريجياً من الداخل.

ثالثا: العالم بعيون عبد الوهاب المسيري – نجاح بلا معنى

الإنسان المعاصر ينجح مهنيا، ويملك خيارات أكثر من أي وقت مضى، لكن معدلات الاكتئاب والعزلة في تصاعد. يفسر المسيري ذلك باختزال الإنسان في الوظيفة والمنفعة، وفصل الإنجاز عن المرجعية الأخلاقية.

النتيجة: إنسان ناجح ظاهريا، لكنه فارغ معنويا.

رابعا: العالم بعيون جمال حمدان – اختلال الأدوار الحضارية

تشهد الساحة الدولية صراعات متكررة، وحروبا بلا أفق، ودولا تحاول لعب أدوار لا تنسجم مع جغرافيتها أو تاريخها. جمال حمدان يرى أن لكل أمة وظيفة تاريخية، وحين تفقد وعيها بها، تتحول إلى أداة في مشاريع غيرها، أو إلى ساحة صراع دائم.

خامسا: العالم بعيون بيتر دراكر – إدارة بالانشغال لا بالنتائج

العالم مليء بالمؤتمرات، والخطط الاستراتيجية، والتقارير الضخمة، لكن الأزمات الكبرى (المناخ، التعليم، العدالة الصحية) تتفاقم. دراكر يفسر ذلك بأن الإدارة العالمية تركز على النشاط لا على النتائج، وتخلط بين الكفاءة (حسن الأداء) والفاعلية (اختيار ما يستحق الأداء).

سادسا: العالم بعيون ستيفن كوفي – إنسان بلا بوصلة

الفرد اليوم يعيش تحت ضغط العاجل: إشعارات، مهام، سباق دائم مع الوقت. لكنه يفتقد الرؤية والرسالة الشخصية. كوفي يرى أن غياب الرؤية يجعل الإنسان يعيش برد الفعل لا بالفعل، ويبدد طاقته في ما لا يصنع حياة ذات معنى.

الخلاصة

من خلال هذه القراءات المتقاطعة، يتضح أن أزمة العالم المعاصر ليست أزمة نقص، بل أزمة تحديد الرؤية من خلال أهداف واضحة محددة: حضارة بلا فكرة، دولة بلا غاية، إنسان بلا معنى، وإدارة بلا نتائج. ولا يمكن الخروج من هذا التيه إلا بإعادة بناء الرؤي على كل المستويات.

الأزمة في الواقع العربي

عند إسقاط هذه القراءات الفكرية على الواقع العربي، نجد أن المنطقة تعيش بدورها أزمة هدف ومعنى تتجلى في صور متعددة. فالدول العربية تمتلك ثروات طبيعية هائلة وطاقات بشرية واسعة، لكنها كثيرًا ما تُهدر في صراعات داخلية أو تنافسات إقليمية لا تصنع مشروعًا حضاريًا جامعًا. كما أن غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة يجعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية متقطعة وغير متوازنة، فتظهر فجوات بين الإمكانات المتاحة والنتائج المحققة. وفي ظل هذا الفراغ، يتراجع الدور الحضاري للعالم العربي ليصبح في كثير من الأحيان مجرد ساحة لتجاذبات القوى العالمية، بدلًا من أن يكون فاعلًا رئيسيًا في صياغة المستقبل. إن أزمة المعنى هنا ليست مجرد انعكاس للأزمة العالمية، بل هي أكثر حدة بسبب غياب المشروع الثقافي والفكري الذي يمنح المجتمعات العربية بوصلة واضحة نحو التقدم.

أمثلة من الواقع العربي

تتجلى أزمة الهدف والمعنى في العالم العربي من خلال عدة نماذج واقعية. ففي بعض الدول الغنية بالموارد الطبيعية مثل النفط والغاز، نلاحظ أن هذه الثروات لم تُترجم دائمًا إلى نهضة حضارية شاملة، بل ظلت التنمية مرتبطة بالاقتصاد الريعي دون بناء مشروع فكري أو ثقافي متماسك.

وفي دول أخرى، مثل تلك التي شهدت ثورات أو اضطرابات سياسية، نجد أن غياب الرؤية الموحدة أدى إلى حالة من الانقسام والتراجع الاقتصادي والاجتماعي، رغم وجود طاقات شبابية هائلة كان يمكن أن تُستثمر في البناء والتطوير.

كما أن بعض المدن العربية الكبرى، التي تمتلك بنية تحتية متقدمة، تعاني من اختلال في توزيع الأدوار والوظائف، حيث تتحول إلى ساحات استهلاك أكثر من كونها مراكز إنتاج وإبداع. هذه الأمثلة تكشف أن الأزمة ليست في الإمكانات، بل في غياب المشروع الحضاري الذي يمنح هذه الإمكانات معنى واتجاها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى