السودانشئون عربية

قلبي سوداني .. يوميات وطن ينزف (2) : شوارع بلا ذاكرة

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير   

في قلب الخرطوم، حيث تختلط أصوات الرصاص بصمت الشوارع، تنبض الحكاية بوجعٍ لا ينتهي. المدينة التي كانت يومًا شاهدة على الحياة، تحولت إلى ذاكرة مثقوبة، تبحث عن ملامحها بين الركام والغياب. هنا، لا تُروى الأحداث كأخبارٍ باردة، بل كصرخةٍ من قلبٍ سوداني ينزف، يكتب يومياته على جدرانٍ محطمة ونوافذٍ مغلقة، وعلى انتظار امرأةٍ لا تفقد الأمل.

شوارع بلا ذاكرة

في الخرطوم اليوم، لم تعد الشوارع تحفظ الوجوه، ولا تخزّن الضحكات، ولا تتذكّر الخطى التي مرّت بها ذات صباحٍ عادي.
الشوارع هنا لم تعد شاهدة على الحياة، بل شاهدة على محوها كأن المدينة قررت، تحت وطأة الرصاص، أن تمسح ذاكرتها كي لا تموت وجعًا.

المبنى الذي كان يشبه حفلة زفاف من الضوء، يلمع في المساء كأنه وعدٌ دائم بالحياة، صار كتلة سوداء من الزجاج المكسور.
لا نوافذ تطلّ، ولا شرفات تُلوّح، ولا أضواء تشير إلى أن أحدًا ما زال بالداخل كل ما تبقّى هو صمت ثقيل، يشبه صمت البيوت بعد الجنازات.

المقهى الذي كان ضحك الشباب يملؤوه، وتتعالى فيه الأصوات حول كرة القدم والسياسة وأحلام السفر، صار حائطًا مثقوبًا، يمرّ من خلاله الهواء البارد بلا استئذان.
الكراسي مقلوبة، الطاولات محطّمة، والذكريات مبعثرة كأكواب سقطت ولم يجد أحدٌ وقتًا ليجمع شظاياها حتى الضحك، إن مرّ من هنا، يمرّ خجولًا، كأنه لا يريد أن يزعج الموت.

الجامعة التي كانت تحلم بأبحاث ومؤتمرات، وبطلاب يناقشون مستقبل البلاد، صارت ساحة خالية، أو ثكنة عسكرية.
المدرجات التي كانت تمتلئ بالأسئلة، باتت تعرف لغة واحدة: الأوامر والممرات التي كانت تضجّ بالنقاشات، صارت تعرف وقع الأحذية الثقيلة أكثر مما تعرف وقع الأفكار.

المدينة التي تحوّل مدارسها إلى ملاجئ، لا تعود كما كانت فالمدرسة حين تفقد وظيفتها الأولى، تفقد روحها والجدار الذي علّقوا عليه جداول الامتحانات، يُعلّقون عليه اليوم قوائم المفقودين.

في الخرطوم، التفاصيل الصغيرة هي التي تفضح حجم الكارثة والمكان الذي كنت تعبره دون تفكير، صار يحتاج حسابًا دقيقًا لكبر المخاطر.
الطريق القصير إلى البيت، صار أطول من قدرة القلب على الاحتمال والحيّ الذي كنت تحفظه حجرًا حجرًا، صار غريبًا، لا تعرف من يختبئ خلف زواياه.

الخرطوم من عيون امرأة تنتظر

في أحد أحياء الخرطوم، تجلس امرأة سودانية عند نافذة لا تُغلق فهي لم تحفظ أسماء الميليشيات ولا تفرّق بين الرتب العسكرية، لكنها تحفظ جيدًا أشياء أخرى أكثر دقة: متى خرج زوجها قبل استشهاده وفي أي ساعة تمامًا دوّى آخر صوتٍ للقصف وكم خطوة تفصل بين باب البيت وأقرب نقطة اشتباك.

هي لا يهمّها إن كانت تفهم السياسة أو لا هي تفهم الآن أن الحرب ليست نشرات أخبار ولا تحليلات باردة.
الحرب بالنسبة لها هي يدٌ مرتجفة تمسك بالهاتف، وقلبٌ يحفظ نبرة صوته في المكالمة الأخيرة، وعينان تتعلّقان بكل صوتٍ في الطريق، تظنه عائدًا.

حين تنظر من النافذة، لا ترى شارعًا آمنًا ولا ترى أطفالًا يلعبون ترى فراغًا يشبه الفقد، وصمتًا أثقل من الكلمات.
ترى في خيالها أطفالًا لا ذنب لهم إلا أنهم وُلدوا في زمنٍ قرر فيه الكبار أن يصنعوا مجدهم على جثث الصغار.

هذه المرأة لا تبكي كثيرًا ليس لأنها لا تتألم، بل لأنها تعلّمت أن الدموع تستهلك ما تبقّى من القوة هي تعرف أن عليها أن تبقى واقفة، لأن سقوطها يعني سقوط بيتٍ كامل، وربما شارعٍ بأكمله.

الخرطوم اليوم تمشي بلا ذاكرة لا لأنها نسيت، بل لأن الذاكرة أصبحت عبئًا ثقيلًا في مدينة تحاول فقط أن تبقى حيّة.
الأماكن تغيّرت، لكن الوجع ثابت والشوارع، مهما صمتت، ما زالت تعرف الحقيقة.

تعرف أن هذه المدينة كانت يومًا مليئة بالحياة وتعرف أن هذا الخراب ليس قدرًا، بل نتيجة وتعرف أن من يمحو ذاكرة المدن، لا يفعل ذلك عبثًا، بل لأن الذاكرة تفضح الجريمة.

ومع ذلك، ستظل الخرطوم تحاول
ستحاول أن تتذكّر، ولو من خلال امرأة تنتظر
أو طفل يرسم بيتًا لم يعد موجودًا
أو شارعٍ مكسور، ما زال يهمس: كنت يومًا حيًّا… وسأكون.

 

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى