الصراط المستقيم

لقد كرمنا بني آدم: رؤية قرآنية شاملة للإنسانية والعدالة

يُبرز القرآن الكريم مكانة الإنسان باعتباره المخلوق المكرّم الذي جعله الله خليفة في الأرض، ومنحه العقل والقدرة على التمييز، وأحاطه بعناية خاصة. ومن أسمى الآيات التي تؤكد هذا المعنى قوله تعالى:وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (سورة الإسراء ، الآية70)”، وهي آية جامعة تُظهر عظمة التكريم الإلهي للإنسان في جميع جوانب حياته.

أبعاد التكريم الإنساني

تكريم الإنسان في القرآن الكريم ليس مجرد امتياز مادي، بل هو تكريم شامل يتجلى في:

  • جمال الخِلقة: حيث خُلق الإنسان في أحسن تقويم، وجعله في الصورة التي تميّزه عن سائر المخلوقات.
  • البعد العقلي: منحه الله العقل ليكون أداة للمعرفة والتمييز بين الحق والباطل.
  • البعد الأخلاقي: ارتبط التكريم بالالتزام بالقيم العليا كالعدل والرحمة والإحسان.
  • البعد المادي: سخّر الله الكون للإنسان، من البر والبحر والسماء، ليعيش حياة كريمة ويستفيد من الموارد.

مظاهر التكريم في الحياة اليومية

يتجلى هذا التكريم في تفاصيل حياة الإنسان اليومية:

  • حرية الاختيار التي تجعله مسؤولًا عن قراراته وأفعاله.
  • تسخير الطبيعة لخدمته، من وسائل النقل في البر والبحر إلى الطاقات التي يستفيد منها.
  • تكليفه بالعبادة والعمل الصالح، ليحقق الغاية من وجوده ويصل إلى السعادة الأبدية.

الكرامة والمسؤولية

الكرامة الإنسانية في القرآن ليست مجرد امتياز يُمنح، بل هي مسؤولية تُحمل. فكل إنسان مطالب بالحفاظ على هذه الكرامة من خلال التزامه بالقيم الإلهية، واحترامه لحقوق الآخرين، وإعمار الأرض بالخير. وإذا انحرف الإنسان عن هذه القيم، فإنه يُفقد جزءًا من مكانته التي منحه الله إياها.

أمثلة من القرآن الكريم والسيرة النبوية

  • قال تعالى: “وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي” (سورة الحجر: 29)، في إشارة إلى عظمة الروح التي أودعها الله في الإنسان.
  • قال تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” (سورة التين: 4)، تأكيدًا على جمال الخِلقة والتكريم.
  • قال النبي ﷺ: “الناس سواسية كأسنان المشط”، تأكيدًا على المساواة بين البشر دون تفرقة.
  • في خطبة الوداع قال النبي ﷺ: “يا أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا”، وهو إعلان عالمي لحماية الكرامة الإنسانية.
  • في وثيقة المدينة، منح النبي ﷺ لليهود حقوقًا متساوية، مما يعكس احترام الكرامة الإنسانية بغض النظر عن الدين.

شواهد من التاريخ الإسلامي

  • الخليفة أبو بكر الصديق: كان يوصي قادة الجيوش بألا يقتلوا شيخًا ولا طفلًا ولا امرأة، وألا يقطعوا شجرًا مثمرًا، مما يعكس احترام الكرامة الإنسانية حتى في أوقات الحرب.
  • الخليفة عمر بن الخطاب: اشتهر بعدله ومساواته بين الناس، حتى قال قولته الشهيرة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، وهو مبدأ خالد في الدفاع عن الحرية والكرامة.
  • الخليفة علي بن أبي طالب: كان يوصي ولاته بالعدل والرحمة، ويؤكد أن الناس صنفان: “إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”.

البعد الاجتماعي للتكريم

القرآن الكريم يربط بين تكريم الفرد وبناء المجتمع. فالمجتمع الذي يحترم كرامة الإنسان ويصون حقوقه هو مجتمع متماسك وقوي. ومن هنا تأتي أهمية العدل والمساواة في العلاقات الإنسانية، باعتبارها تجسيدًا عمليًا لتكريم بني آدم.

الكرامة ليست مجرد امتياز

إن تكريم الإنسان في القرآن الكريم دعوة مفتوحة لكل فرد ليحافظ على هذه الكرامة، ويترجمها في سلوكه اليومي، وفي علاقته بالآخرين، وفي مسؤوليته تجاه الأرض التي يعيش عليها. فالكرامة ليست مجرد امتياز، بل هي تكليف يقتضي الالتزام بالقيم الإلهية التي تحفظ للإنسان مكانته في الدنيا والآخرة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى