الصراط المستقيم

لماذا نشعر جميعاً بأن “الحياة أصبحت صعبة”؟.. التشخيص والعلاج

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي

تتكرر على ألسنة الناس اليوم عبارة واحدة بأشكال مختلفة: “الحياة أصبحت صعبة”، ولا يقصدون بذلك الجانب المادي الشاق فحسب رغم ما فيه من تحديات، بل يعبرون عن شعور عام بالثقل والضغط يرافقهم في أدق تفاصيل حياتهم اليومية. فهل أصبحت الحياة فعلاً أكثر صعوبة من حياة الأجيال السابقة التي واجهت الحروب والمجاعات والأمراض؟ ربما لا، ولكن طبيعة الضغوط وسقف التوقعات هما اللذان تغيرا بشكل متسارع.

تغير طبيعة الضغوط وسيل المطالب لا ينقطع

في الماضي، كانت مشكلات الإنسان أوضح وأقل عدداً، أما اليوم، فإن الإنسان المعاصر يعيش وسط سيل جارف لا ينقطع من المطالب والتوقعات؛ فهو مطالب بالنجاح المهني، والاستقرار المالي، وتطوير الذات، ومتابعة الأخبار، ومواكبة التقنية، والاهتمام بالصحة، وبناء العلاقات، وتحقيق الطموحات.. وكل ذلك في آن واحد! إن هذا السعي المحموم ينسي الإنسان الغاية الأساسية من وجوده، وقد نبهنا الله تعالى إلى طبيعة الدنيا وتقلبها بقوله:

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [سورة البلد: 4].

فخ المقارنات عبر الشاشات وغياب الرضا

لم يعد الإنسان اليوم يقارن نفسه بجيرانه أو زملائه في العمل فقط، بل أصبح يقارن ذاته بمئات الأشخاص الذين يراهم يومياً عبر شاشات الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي. يرى سفرهم، ونجاحاتهم، ومظاهر حياتهم البراقة، فيشعر تلقائياً بأن ما يملكه أقل مما ينبغي، وأن ما حققه دون المستوى. إن الحياة الحديثة رفعت مستوى التوقعات أكثر مما رفعت مستوى الرضا والامتنان، وفي هذا السياق يوجهنا الرسول صلى الله عليه وسلم لعلاج هذا الداء النفسي بقوله:

«انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» [صحيح مسلم].

فقدان البساطة وإرهاق كثرة الخيارات

لقد فقدت المجتمعات الحديثة ميزة كبرى كانت تنعم بها الأجيال القديمة، ألا وهي “البساطة”؛ حيث كانت الحياة أكثر بطئاً، والعلاقات الإنسانية أكثر حضوراً وتلاحماً، والخيارات أقل، والقرارات أوضح. أما اليوم، فإن كثرة الخيارات المتاحة في كل تفصيلة من تفاصيل العيش أصبحت بحد ذاتها مصدراً للحيرة، والتشتت، والإرهاق النفسي المستمر.

حمل أعباء المستقبل وعلاج الحكمة اليقينية

لعل المشكلة الأكبر تكمن في أن الكثيرين يحاولون حمل أعباء الحياة كلها دفعة واحدة؛ فيفكرون في سنوات طويلة قادمة، ويقلقون من مشكلات لم تقع بعد، ويتوجسون من تحديات لم تأتِ، فيثقلون حاضرهم بهواجس مستقبلية لا يملكون التحكم فيها. إن الحكمة لا تكمن في أن تصبح الحياة أخف ــ فالدنيا لم تكن يوماً دار خلد أو خلو من الكدر ــ وإنما في أن يتعلم الإنسان كيف يحملها بطريقة صحيحة، وذلك بالتركيز على عمل اليوم، وتخفيف المقارنات المستنزفة للروح، وإدراك أن القيمة الحقيقية تقاس بقدر السكينة والمعنى، مصداقاً لقوله تعالى:

{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [سورة الرعد: 28].

كما لخص النبي صلى الله عليه وسلم منهج السعادة الحقيقية والرضا بمقومات اليوم الحاضر في حديثه الشريف:

«مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» [سنن الترمذي].

فربما لم تصبح الحياة أثقل كما نتصور، ولكننا أصبحنا نحاول أن نحمل منها فوق طاقتنا وأكثر مما ينبغي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى