ليلة القدر: شروق فجرٌ كوني

كتب : الدكتور أمين رمضان
في غمرة الضجيج الرقمي الذي يبتلع أعمارنا، وازدحام حياتنا المعاصرة بصخب مادي لا يهدأ، والدمار الذي حل بالأوطان والإنسان، يطل علينا شهر رمضان المبارك حاملاً في طياته محطة زمنية ليست كغيرها في رحلة البشرية. إنها “ليلة القدر”، تلك اللحظة التي لم تكن مجرد حدث كوني عابر، بل كانت أعظم اتصال بين الأرض والسماء في تاريخ كوكبنا الطويل.
لقد كانت هذه الليلة هي اللحظة الفارقة التي انتقلت فيها الحقيقة المطلقة من عالم الغيب إلى عالم الإدراك لتصبح بين يدي الإنسان؛ إعلاناً بـ “رشد الإنسانية” وميلاد منهج رباني عالمي متكامل لحياة إنسانية رشيدة متجددة.
من ظلمات “التخبط” إلى نور “البيّنات”
قبل تلك الليلة، كان العالم يرسف في أغلال الجاهلية، تائهاً في دروب التخبط المعرفي والروحي. وبنزول القرآن الكريم، وُضعت قيم وأسس جديدة غيرت وجه الأرض وقررت أقدار الشعوب. يصف الحق تبارك وتعالى هذا التحول بقوله:
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (سورة البقرة: 185).
إن عظمة هذه الليلة تتجاوز حدود الإدراك البشري، حين يصبح الهدى متاحا لكل الناس، فهي ليست مجرد “زمن”، بل هي “قيمة كبرى” ستظل متاحة عبر الزمن حتى قيام الساعة:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةِ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ ألف شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)} (سورة القدر: 1-5).
مفارقة العصر: رفاهية مادية وشقاء وجودي
عبر التاريخ، رأينا كيف سقطت حضارات كبرى — من روما إلى القوى الاستعمارية — حين فقدت بوصلتها الأخلاقية مع تعاظم قوتها العسكرية المدمرة بدون فرامل أخلاقية تنقذ البشرية من أي تهور. واليوم، نعيش مفارقة مؤلمة جداً؛ فالبشرية التي بلغت ذروة الإنتاج المادي والحضارة العمرانية، لا تعيش حالة من القلق والشقاء لم يسبق لها مثيل فقط، بل تنقض عليها أسلحة الدمار المجنون وحروب التطهير العرقي الملعونة، والجرائم ضد الإنسانية، وكل ذلك يبث حياً على شاشات التلفاز. مأساة أن يصبح الرعب والخطر وجبات يومية للبشر على سطح الكوكب. هذا الواقع المرير هو النتيجة الحتمية لغفلة البشرية عن منهج أخلاقي يحميها من الدمار. لقد استبدلنا قيم السماء بأهواء الأرض، ففقدنا سلام الضمير وسلام المجتمع.
أزمتنا مع “عقول مجمدة”
إن المأساة الحقيقية لا تكمن في النص القرآني، بل في “عقولنا” التي توقفت عن التفاعل معه منذ قرون. لقد وقعنا في فخ “تقديس الأشخاص”. نحن اليوم نعيش “فصاماً حضارياً”؛ نحن نقرأ رسالة الله الحية بـ “عقول تجمدت”، متناسين أن القرآن خطاب من “حي” إلى “أحياء”.
قال تعالى عن نفسه:
﴿ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَیُّ ٱلۡقَیُّومُ﴾ [آل عمران ٢]
وقال تعالى مخاطباً النبي محمد عن دورة في تبليغ الرسالة:
﴿إِنۡ أَنتَ إِلَّا نَذِیرٌ﴾ [فاطر ٢٣]
وقال تعالى عن شرط الحياة لاستقبال النذير:
﴿لِّیُنذِرَ مَن كَانَ حَیࣰّا وَیَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ﴾ [يس ٧٠]
وقال تعالي عن إحياء الناس بنور الوحي:
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱسۡتَجِیبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا یُحۡیِیكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ یَحُولُ بَیۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥۤ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [الأنفال ٢٤]
﴿أَوَمَن كَانَ مَیۡتࣰا فَأَحۡیَیۡنَـٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورࣰا یَمۡشِی بِهِۦ فِی ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِی ٱلظُّلُمَـٰتِ لَیۡسَ بِخَارِجࣲ مِّنۡهَاۚ كَذَ ٰلِكَ زُیِّنَ لِلۡكَـٰفِرِینَ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام ١٢٢]
عندما نكون أحياء، نستقبل فيوضات الحياة، من الحي القيوم.
تجديد العهد والنجاة
إن إحياء ليلة القدر لا ينبغي أن يقتصر على الصلاة والقيام، بل يجب أن يكون محطة لـ “تجديد العهد” مع المنهج الرباني لإدخاله في معترك حياتنا من جديد، لكي نغير واقعنا المثقل بالتخلف والاستبداد. يجب تأسيس فكر إسلامي يعتمد على مستجدات العصر والعلوم الحديثة، محتفظاً بجذوره المتصلة بالوحي، وفروعه الممتدة للسماء، وثماره التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
خاتمة
ليلة القدر هي دعوة مفتوحة لنفض غبار الغفلة، واستشعار اللحظة التي قرر فيها الخالق أن يمد حبل النجاة للبشرية، ليستقبله أحياء لا أموات. إنها الثورة المعرفية التي تخرج الناس من الظلمات إلى النور في كل زمان ومكان. فإذا أردنا مستقبلاً يحمي كوكبنا ويحفظ إنسانيتنا، فلا سبيل سوى العودة إلى ذلك “المنهج الحي” ليكون دستوراً يضيء لنا طريق الخروج من ظلمات العصر إلى نور الهدى.
الدكتور / أمين رمضان
26 رمضان 1447 ه / 16 مارس 2026 م
