أراء وقراءات

مع مطلع عام جديد: كيف تحوّل الإعلام الرقمي من ناقل للمعلومة إلى موجّه للوعي

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

مع بداية كل عام جديد، يظن كثيرون أن التغيير يبدأ بتبدّل التواريخ، بينما الحقيقة أن التغيير الأعمق يبدأ من طريقة استقبالنا للمعلومة.

نحن ندخل عامًا جديدًا، لكننا نحمل معنا عقولًا مثقلة بسيل متواصل من الرسائل الرقمية، وأذهانًا اعتادت الاستقبال أكثر من التفكير، والتفاعل أكثر من الفهم.

لم يعد الإعلام الرقمي مجرد وسيط ينقل الخبر، بل أصبح طرفًا فاعلًا في تشكيل الوعي، وتوجيه الاهتمام، وإعادة ترتيب أولويات الجمهور.

*إعلام لا يتوقف… وعقل لا يلتقط أنفاسه

في الماضي، كان للإعلام مواعيد محددة، ونوافذ معروفة… أما اليوم، فالإعلام الرقمي حاضر على مدار الساعة، يتدفق بلا توقف، ويقتحم تفاصيل الحياة اليومية دون استئذان.

هذا التدفق المستمر لا يترك مساحة كافية للتأمل أو التحقق، ويحوّل المتلقي إلى مستقبل دائم، يلاحق الخبر قبل أن يفهمه.

ومع دخول عام جديد، لا تتغير طبيعة هذا التدفق، بل تتسارع وتيرته، ويزداد الضغط على وعي الفرد، الذي يجد نفسه محاصراََ بين الرغبة في المعرفة، والخوف من الغياب عن المشهد.

*من نقل الخبر إلى توجيه الانتباه

التحول الأخطر في الإعلام الرقمي لا يكمن في سرعة نقل المعلومة، بل في القدرة على توجيه الانتباه.

الخوارزميات لم تعد تسأل: ما الأهم؟

بل تسأل: ما الأكثر جذبًا؟ وما يثير التفاعل غالبًا لا يكون هو الأكثر قيمة.

هكذا، تُعاد صياغة الأجندة اليومية للمتلقي، ليس وفق احتياجاته الحقيقية، بل وفق منطق الانتشار، والضغط، والاستمرار داخل الدائرة الرقمية.

*بداية عام جديد… بذات الأدوات القديمة

مع مطلع العام، تتجدد الخطابات حول الطموح والتغيير والبدايات الجديدة، لكن أدوات التلقي تظل كما هي:

▪️متابعة سريعة

▪️محتوى مختصر

▪️آراء جاهزة

▪️وانطباعات سريعة تتحول إلى مواقف

في هذا السياق، يصبح الوعي عرضة للتشكيل السريع، وتختلط المعلومة بالرأي، والتحليل بالانفعال، دون فواصل واضحة.

*أين يقف المتلقي؟

 المتلقي اليوم ليس ضعيفًا، لكنه مرهق من كثرة الاختيارات، وتعدد الروايات، وتسارع الأحداث.

ومع هذا الإرهاق، تقل القدرة على التمييز، ويصبح القبول السريع أسهل من الفهم العميق… هنا يتحول الإعلام الرقمي من مساحة معرفة، إلى مساحة ضغط ذهني، إذا لم يُدار بوعي ومسؤولية.

وختاماً…

بداية عام جديد لا تعني فقط مراجعة الخطط والأهداف، بل تستدعي مراجعة علاقتنا بالإعلام الرقمي… فالإعلام الذي يوجّه الوعي أخطر من إعلام يقدّم المعلومة،

والسؤال الحقيقي مع مطلع العام ليس: ماذا سنتابع؟ بل: كيف نتابع؟ وبأي وعي؟

لأن استعادة التوازن لا تبدأ بإغلاق الشاشات، بل بإعادة الاعتبار للفهم، والاختيار، والوعي النقدي، وهو التحدي الحقيقي الذي يواجهنا في عام جديد تحت هيمنة الإعلام الرقمي.

دكتورة هناء خليفة 

دكتوراة في الإعلام من كليه الاداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى