أراء وقراءات

من يوقف البلطجة الأمريكية ؟!

بقلم :عبير الحجار

ما جرى فى فنزويلا لم يعد يحتمل لغة المجاملات أو الاختباء خلف توصيفات دبلوماسية باهتة. نحن أمام فعل بلطجى سياسى مكتمل الأركان: خطف رئيس دولة فنزويلا  نيكولاس مادورو، فى مشهد يعكس الانحدار الخطير الذى وصلت إليه السياسة الدولية.

الحديث هنا لا يدور عن خلاف مع رئيس، ولا عن معارضة سياسية، بل عن استخدام أدوات الجريمة المنظمة فى إدارة الصراع. وحين نبحث عن المستفيد الأول، لا يمكن تجاهل الدور الأمريكى، لا كطرف بعيد، بل كفاعل أساسى فى صناعة هذا المناخ العدوانى.

العقوبات الأمريكية تخنق الشعوب

الإدارة الأمريكية لم تُخفِ يومًا عداءها لمادورو، ولم تتردد فى فرض عقوبات خانقة على الشعب الفنزويلى، ودعم شخصيات مثل خوان جوايدو ومحاولة فرضه كرئيس بديل بإرادة خارجية. وعندما فشلت الضغوط السياسية والاقتصادية فى إسقاط النظام، جرى الانتقال إلى مرحلة أكثر قذارة التهديد الأمنى المباشر.

اتهام الولايات المتحدة هنا ليس قفزًا فى الهواء، بل قراءة منطقية لمسار سياسى متكامل: حصار اقتصادى → تشكيك فى الشرعية → دعم معارضة موازية → فشل → اللجوء إلى منطق البلطجة.

ولا يمكن فصل هذه المحاولة عن تاريخ طويل من تدخلات وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) فى أمريكا اللاتينية، حيث الانقلابات، والاغتيالات، والخطف، كانت دومًا أدوات “مشروعة” لحماية المصالح الأمريكية، مهما كان الثمن.

الأخطر من الفعل نفسه، هو الصمت الأمريكى والدولى. لا إدانة واضحة، لا موقف حاسم، فقط تجاهل متعمد. هذا الصمت ليس حيادًا، بل غطاء سياسى، ورسالة مفادها أن خطف رئيس دولة قد يكون مقبولًا إذا كان خارج خط الطاعة.

سقوط أسطورة الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان

هنا تسقط تمامًا أسطورة الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. فالولايات المتحدة التى تُحاضر العالم فى القانون الدولى، تُمارس أو تغطى بلطجة سياسية مكشوفة، وتتعامل مع رؤساء دول كأهداف لا كرموز سيادة.

ما حدث فى فنزويلا ليس استثناءً، بل نموذجًا. نموذجًا لعالم تُدار فيه السياسة بالعقوبات أولًا، وبالخطف والتهديد ثانيًا، وبالصمت ثالثًا. عالم تُختصر فيه الديمقراطية فى سؤال واحد: هل تخدم مصالح القوى الكبرى أم لا؟

محاولة خطف مادورو هى إعلان رسمى لعصر البلطجة العلنية. عصر لا مكان فيه للقانون، ولا احترام فيه للسيادة، ولا قيمة فيه للشرعية، إذا تعارضت مع مصالح واشنطن وحلفائها.

والأخطر من كل ذلك، أن هذا النهج إذا لم يُواجَه، فلن يتوقف عند فنزويلا، بل سيمتد إلى كل دولة تجرؤ على قول “لا”.

أمريكا تاريخ طويل من الإرهاب

 

-أكثر من 80 عملية عسكرية وتدخل مباشر في دول مختلفة منذ بداية القرن العشرين.

-أبرزها في: أمريكا اللاتينية (بنما، نيكاراغوا، كوبا، هايتي)، آسيا (فيتنام، كوريا، أفغانستان)، والشرق الأوسط (العراق، سوريا، ليبيا).

-التدخل في بنما يُعد من الحالات النادرة التي انتهت باعتقال رئيس دولة ونقله لمحاكمة خارج بلاده.

عبير عبد السلام الحجار
اعلامية وكاتبة صحفية 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى