أراء وقراءات

نحو أسرة راشدة (1) عيد الأم والحل المفقود

كتب – الدكتور أمين رمضان

يحتفل العالم العربي يوم 21 مارس كل عام بعيد الأم، فما قصة هذا الاحتفال، والدافع له، ومتى تم أول احتفال بهذه المناسبة.

قصة البداية

بدأت القصة عندما زارت إحدى الأمهات الراحل مصطفى أمين في مكتبه وحكت له قصة كفاحها في تربية أبنائها بعد وفاة زوجها، وكيف أنهم انصرفوا عنها بعد زواجهم واستقلالهم بحياتهم.

كتب علي أمين في عموده الشهير “فكرة” مقالاً يقترح فيه تخصيص يوم للأم، وشارك القراء في اختيار التاريخ. تم الاستقرار على 21 مارس ليتزامن مع بداية فصل الربيع، ليكون رمزاً للتفتح والجمال والعطاء الذي تمثله الأم.

 بعد نجاح التجربة في مصر عام 1956، تبنت بقية الدول العربية هذا التاريخ للاحتفال بعيد الأم.

الواقع المؤلم للأسرة

 لا شك أن معاني العرفان والتقدير للأم التي وهبت حياتها لبناء الأجيال أمر محمود، ينسجم مع الفطرة الإنسانية، ولكن هل نجحت الفكرة في واقع المجتمع، ونشرت وفاء الأبناء للأم في البيوت، ربما يكون الواقع الآن عكس ذلك تماماً، والمحاكم تشهد قضايا مؤلمة تصرخ في وجه المجتمع “أنقذونا”، والأنانية تعصف بأمهات المستقبل مع انتشار الدعوات النسوية التي تدعم المرأة القوية المستقلة، وهوس الحفاظ على جمال القوام، أصاب الكثير من الزوجات الصغيرات بالعجز عن رعاية الأبناء والبيت. عندما أعلى المجتمع من معايير قوة المرأة واستقلالها، ودعمها بقوانين تقسم ظهور الأزواج، أشعل معارك ضارية داخل البيوت تشهر فيها أسلحة الانتقام، بكل الطرق المشروعة والمحرمة، في وجه الجميع الزوج والزوجة والأولاد والأهل، والمجتمع مثل النعامة، يدفن رأسه في التراب، المتراكم من خراب البيوت.

منظومة الأسرة

الحقيقة أن الاجتهاد البشري للاحتفال بالأم، وهو محمود وأؤيده، كان قاصراً في النظر، ويمثل طريقة تفكير لا تنسجم مع سنن العمران الإنساني، فالمرأة جزء من منظومة الأسرة كلها، والاهتمام يجب أن يكون بكل أفراد المنظومة، لذلك اخترعوا بعد ذلك عيد الأب، ثم عيد الأسرة، لكن الأسماء والمظاهر لا تحل مشكلات منظومة الأسرة، فرق كبير بين علاج مشكلة بعد حدوثها، وبين منهج الوقاية الذي يحصن المجتمع ضد المشكلات، لكن عندما تظهر، وهذا طبيعي، يكون علاجها أسهل.

صحيح صدر الكثير من قوانين الأسرة، لكنها زادت الطين بله، لأن محاولات نصرة طرف في منظومة الأسرة على طرف آخر، معاول هدم للأسرة كلها، إذ ليس هناك منتصر في النهاية، بل الكل خاسر، لأنها منظومة.

المنظومة الأسرية والعلاج النفسي

تُعد فرجينيا ساتير (Virginia Satir)  واحدة من أهم الشخصيات في تاريخ العلاج النفسي، ويُطلق عليها غالباً “أم العلاج الأسري”. كانت لديها قدرة فائقة على فهم الروابط الإنسانية وكيفية تأثير العائلة على شخصية الفرد. هي اختصاصية اجتماعية ومعالجة نفسية أمريكية (1916–1988). اشتهرت بكونها رائدة في إدخال مفهوم “المنظومة” في العلاج، حيث آمنت بأن المشكلة ليست في “شخص سيئ” داخل الأسرة، بل في طريقة التواصل بين أفرادها.

باختصار نجحت فرجينيا ساتير لأنها علمت الناس أن التغيير ممكن في أي وقت، وأن مفتاح الحل يبدأ من تحويل التواصل بين أفراد الأسرة من “صراع قوى” إلى “تفاهم إنساني” عميق.

المنهج الرباني

رغم بريق الاحتفالات بالأسرة، ونجاح فرجينيا ساتير وغيرها الكثير في علاج المشاكل الأسرية سيظل العلاج الحقيقي مفقود، وهو المنهج الرباني، الذي يمثل تعامل الخالق مع المخلوق، “ألا يعلم من خلق”، المنهج الذي يؤسس للأسرة، ويرعاها في رحلتها العاصفة، ويرشدها في تربية الأبناء، ويعصمها من الضياع حين يقرر أحد الأطراف الغاء الرحلة.

الدكتور / أمين رمضان

21مارس 2026 م / 2 شوال 1447 هـ

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى