نحو أسرة راشدة (4) ميزان القيم

كتب – الدكتور أمين رمضان
أين تقف أسرتك في سلم القيم “مستويات جريفز”؟
في المقال السابق، اتفقنا على أن الأسرة “منظومة حية” وجسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد. واليوم، نغوص أعمق لنجيب عن السؤال المهم: ما هو “المحرك” لهذه المنظومة؟ ما الذي يحدد قراراتها، وطريقة تفكيرها، وردود أفعالها تجاه التحديات؟
إنه “مجموعة القيم التي تتبناها الأسرة”. الأسرة الراشدة ليست مجرد أسرة طيبة، بل هي أسرة تمتلك وعياً عميقاً بمنظومة قيمها التي تشكل سلوكها وقراراتها، وتعمل بجد واستمرار للارتقاء بها. ولتحقيق هذا الفهم، سنستعين بوعاء “علم النفس والاجتماع” عبر نظرية قوية في علم النفس الإنساني، تُعرف باسم “نظرية جريفز 1914- 1986” لتطور مستويات الوجود الإنساني للفرد والأسرة والمنظمات والمجتمعات والدول.
فم نظرية جريفز في سياق الأسرة (أين نحن؟)
تتطور المجتمعات والأسر عبر مستويات من الوعي والقيم. فهمنا لهذه المستويات يساعدنا على تشخيص وضع أسرتنا ومشاكلها دون تبادل الاتهامات. دعونا نبسط هذه المستويات (باختصار يناسب العصر):
- المستوى الأول (البقاء): الأسرة في هذا المستوى همها الأول البقاء المادي، وتلبية الاحتياجات الفسيولوجية لأفرادها.
- المستوى الثاني (الانتماء القبلي): الأسرة في هذا المستوى همها الأول التمسك بالتقاليد والأعراف لمجرد أنها موروثة، دون نقاش. الأمان في الوجود داخل “الأسرة”، الصح هو ما يراه الأب أو الأم، والتمرد على التقاليد مرفوض.
- المستوى الثالث (القوة): الأسرة في هذا المستوى تدار بقبضة قوية تسعى للهيمنة والتحكم (الأم غالباً في معظم البيوت، والأب نادراً).
- المستوى الرابع (النظام الحتمي): الأسرة في هذا المستوى يغلب عليها قوانين صارمة “افعل ولا تفعل”. الاحترام يساوي الطاعة العمياء. القيم هنا تتجلى في الانضباط والطاعة.
- المستوى الخامس (الإنجاز والنجاح المادي): الأسرة في هذا المستوى قيمها العليا هي النجاح الفردي، الشهادات المرموقة، المال، والمظاهر الاجتماعية. المنافسة حاضرة حتى بين الإخوة. لا سقف للطموح الفردي.
- المستوى السادس (الهارموني أو الإنسانية): الأسرة في هذا المستوى قيمها هي التفاهم، المشاعر، العلاقات الجيدة، والمساواة. قد تضحي بالنجاح المادي من أجل سلامة العلاقات النفسية.
- المستوى السابع (الأسرة الراشدة – التكاملية): هذا هو مستوى “الرشد” الذي ننشده. الأسرة في هذا المستوى هنا تدرك أهمية كافة المستويات السابقة وتدمجها. هي أسرة تقدر النظام (من المستوى 4)، وتشجع الإنجاز والإبداع والتنوع (من المستوى 5)، وتعلي من شأن العلاقات (من المستوى 6)، لكنها تفعل ذلك بوعي شمولي، وتفكير نظمي، يخدم “المنظومة ككل” ويحقق احتياجات الأفراد دون تعارض بينها.
الرؤية القرآنية للارتقاء القيمي
لقد حثنا القرآن الكريم على الارتقاء المستمر في درجات الإيمان والوعي والعلم، مؤكداً أن المؤمن يجب ألا يكون جامداً بل متطوراً.
الاستشهاد القرآني: قال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11).
الأسرة الراشدة هي التي تسعى لرفع “درجتها” عبر العلم والوعي والعمل، فلا تكتفي بالتقليد الأعمى، بل تبحث عن “الحكمة” وتكامل القيم.
وقد عبر أمير الشعراء أحمد شوقي عن أهمية الأخلاق والقيم كأساس لا غنى عنه للمجتمعات والأسر، قائلاً:
وَإِنَّما الأُمَمُ الأَخلاقُ ما بَقِيَت … فَإِن هُمُ ذَهَبَت أَخلاقُهُم ذَهَبوا
فالأسرة التي تنهار أخلاقها وقيمها الراشدة، تنهار منظومتها حتى لو كانت غنية أو قوية.
مثال من الحياة ومواجهة التحديات الخارجية
مثال من الحياة: أسرة تواجه ضغوطاً خارجية (تحدي مستقبلي) بشأن الهوية والدين (سيولة القيم كما في العصر الحديث).
- أسرة (في مستوى 3 الهيمنة): تفرض القيود وتمنع النقاش، مما قد يولد التمرد الخفي لدى الأبناء.
- أسرة (في مستوى 5 الإنجاز): تستخدم قدراتها وطاقاتها للتغلب على تحديات الحياة وحل مشاكلها.
- أسرة راشدة (في مستوى 7 التكامل): تدمج القيم الأصيلة (منظور قرآني) مع فهم العصر (علم النظم). لا تمنع النقاش، بل تشجع الحوار النقدي، تبني “مناعة داخلية” لدى الأبناء عبر التعليم الواعي والرعاية العاطفية، وتحقق احتياجاتهم، دون تصادم مع هويتهم. هي منظومة مرنة تحمي “الروح” وتواكب “الشكل”.
إجراءات عملية للتنفيذ (التربية لغرس القيم)
- تمرين “جرد القيم الأسرية: في اجتماع الأسرة الأسبوعي، اكتبوا أهم 5 قيم تعيشونها حالياً (مثال: الطاعة، النجاح، السفر، الدين، المظهر). حللوها: هل هي متوازنة؟ هل هي مفروضة أم عن اقتناع؟
- كتابة “وثيقة قيم الأسرة الراشدة”: اتفقوا على 5 قيم عليا تريدون أن تكون أسرتكم عليها (مثال: الصدق، التعلم المستمر، المودة، العطاء، الاحترام).
- دمج القيمة بالرعاية (العلاج الأسري): عند حدوث مشكلة (مثال: رسوب ابن)، لا تلقي باللوم (مستوى 2)، ولا تبالغي في التأنيب من أجل النجاح المادي (مستوى 3). بل احتضني مشاعره (رعاية عاطفية)، وحللي الخلل في منظومة الأسرة الذي سبب الرسوب (علم نظم)، وضعي خطة للتعلم مستلهمين قيمة “التعلم المستمر” (مستوى 5).
الخلاصة:
الأسرة الراشدة لا تعيش بالصدفة، بل تعيش بـ “البوصلة القيمية”. فهم مستويات القيم من منظور نظرية جريفز، والسعي الدؤوب للارتقاء بها لتكامل المستويات (مستوى الرشد)، مستلهمين حث القرآني للارتقاء والتزكية باستمرار لعمارة الأرض مادياً ومعنوياً، هو ما يجعل المنظومة قوية، قادرة على حماية هويتها، وتحقيق احتياجات أفرادها، ومواجهة تحديات المستقبل بصلابة ومرونة.
الدكتور / أمين رمضان
9 أبريل 2026 م / 21 شوال 1447 هـ




