ها هو ذا.. “شعبان” يطل برأسه من جديد

متابعة/ هاني حسبو.
وفي كل عام، مع حلول هذا الهلال، يزورني ضيفٌ ثقيلٌ قبل الشهر نفسه؛ هاجسٌ سخيف يهمس في أذني بعبارات محبطة:
“كفاك تكراراً..
لقد حفظ الناس ما ستقول..
هل ستحدثهم ثانية عن رفع الأعمال؟
وعن خطة الإعداد لرمضان؟
وعن الغفلة في شهر يغفل عنه الناس؟
يا رجل، لقد صارت أسطوانة مشروخة، والناس يملون المعاد !”.
أعترف لكم أن هذا الهاجس كاد يثنيني عن الكتابة إليكم اليوم كما يحاول كل عام.
بل إن نفساً أمارة بالسوء راحت تزايد عليَّ قائلة: “أصلاً هذا التكرار دليل على حب الظهور، وأنك تريد (اللايكات) الموسمية”.
حسناً.. دعني أوفر عليك عناء كتابة هذا التعليق، فأنا أقرُّ بضعفي، وأعترف أن مجرد تفكيري هذا هو شائبة في الإخلاص أستغفر الله منها.
لكن، مهلاً لحظة..
من الذي قرر أن التكرار عيب؟
أليس الله جل جلاله هو من قدّر دوران الزمان؟
أليس هو من يعيد علينا رمضان وشعبان كل عام؟
ولو شاء لجعله موسماً واحداً في العمر، لكنه كرره.. لماذا؟
لأنه الخالق الذي يعلم “عطب” الذاكرة الإنسانية، ويعلم أننا كائنات ننسى، وتصدأ قلوبنا، ونحتاج لمن يجلوها في المواعيد الثابتة.
ثم إن نظريتي عن “أن الناس يعلمون” تحطمت تماماً منذ أيام، حين جالستُ بعض شباب العائلة، وذكرتُ عرضاً فضل شعبان، ففوجئت بوجوهٍ مدهوشة تسمع الكلام لأول مرة!
عندها أدركت خديعة الشيطان.. هو يريدنا أن نصمت بحجة “التكرار”، لتستمر الغفلة.
وفي القرآن الأمر محسوم:
{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}.
الذكرى لا تفترض الجهل، بل تفترض الغفلة..
والمؤمن مهما علا كعبه يحتاج لمن يهز كتفه ويقول له: انتبه، الموسم بدأ.
إذا، ما القصة التي أريد تكرارها؟
ولماذا نحن هنا؟
نحن هنا لأن “شعبان” ليس مجرد ورقة في التقويم..
إنه “شهر رفع الأعمال”.
تخيل أنك موظف في شركة، وجاء موعد تسليم “التقرير السنوي” لأعمالك إلى المدير الأعلى.
هل ستقدمه وأنت نائم؟
أم وأنت تلهو؟
أم ستحرص أن يُرفع التقرير وأنت في أبهى صورك المهنية؟
هذا بالضبط ما قاله النبي ﷺ حين سُئل عن كثرة صيامه في شعبان: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ… وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
لاحظ كلمة “يغفل الناس عنه”..
الغفلة هنا هي فرصة.
العبادة في وقت الغفلة أجرها مضاعف، كمن يذكر الله في السوق.
ثم دعنا من المثاليات..
انظر لواقعك.
هل رأيت طالباً يذهب للامتحان بلا مذاكرة لأنه “ذكي”؟
هل رأيت عروساً تذهب لزفافها بملابس البيت لأنها “واثقة من نفسها”؟
مستحيل.. الأشياء المهمة يسبقها دائماً “تجهيز”.
والقاعدة القرآنية صارمة: {وَلَوۡ أَرَادُوا۟ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةࣰ}.
معيار مهم لصدقك في طلب رمضان، هو حالك في شعبان.
واقع الأمر أن من لم يروض نفسه الآن على الصيام والقرآن من الآن، ستصيبه “صدمة بدنية وروحية” في أول رمضان، وسيضيع بعض أثمن أيامه في محاولة التأقلم.
ما المطلوب الآن؟
يا صديقي المتململ من التكرار.. هنيئاً لك علمك، لكنني سأختار وأد هواجسي، وسأذكر نفسي وإياك:
صحيفة أعمالك تُرفع الآن: جمِّل ختامها باستغفار، وبصيام ما تيسر، وبإصلاح ذات البين (تذكر ليلة النصف من شعبان التي يغفر الله فيها للجميع إلا لمشرك أو مشاحن.. فلا تجعل خصومة تافهة تحرمك المغفرة).
ضع خطة واقعية: لا تكن حالماً، كن صادقاً. حدد وردك من الآن.
أكثر الصوم كما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يفعل واقضِ ما عليك: من كان عليه صيام فليبادِر، فالوقت يضيق.
ثم دعنا نختم بحقيقةٍ موجعة لكنَّ الهروبَ منها لا يغيّرها، بل ربما يكونُ استحضارها هو الوقود الحقيقي لمحركِ عزيمتك.
الحقيقةُ المحزنةُ يا صديقي، أننا لسنا جميعاً سنبلغُ رمضان.
هذه ليست نظرةً تشاؤمية، بل هي إحصائيةٌ واقعيةٌ صارمة.
ثمةَ أسماءٌ ربما تُشطبُ الآن من قوائمِ الأحياءِ لتُنقلَ إلى سجلاتِ الوفيات.. لسنا جميعا سنبلغ رمضان..
ثمةَ وجوهٌ نراها اليوم، ونصافحها، ونضحكُ معها، سنبحثُ عنها في صفوفِ “التراويح” بعد شهر فلا نجدُ إلا فراغَ أماكنهم، ووحشةَ غيابهم.
وقد يكونُ هذا الغائبُ أنا.. وقد يكونُ أنت.
لذا..حين نلهجُ في هذه الأيامِ بالدعاء “اللهم بلغنا رمضان”، فنحن لا نمارسُ طقساً لغوياً معتاداً
نحن في الحقيقةِ نستجدي “مهلةً” إضافيةً من ملكِ الملوك..
ونطلبُ تمديداً في “عقدِ الحياة” بضعةَ أسابيعَ أخرى.
فلا تتعامل مع شعبان على أنه “قاعةُ انتظار” تجلسُ فيها مسترخياً ريثما يفتحُ بابُ رمضان.
بل تعامل معه على أنه “الفرصةُ الأخيرة” لإبداء صدق النية..
اعقدِ النيةَ الآن.. ورتّب أوراقك الآن.. وابدأ السباقَ الليلة.
فإن أذنَ اللهُ وبلغتَ رمضان فبها ونعمت، وإن باغتكَ الأجلُ دونَ الهلالِ.. قبضكَ اللهُ على “نيةِ الصيام”، وحشركَ بصدقِ عزمكَ مع القائمين، فالمرءُ يبلغُ بنيتهِ ما لا يبلغهُ بعمله.
فاللهم سلّمنا لرمضان،
وإن لم تكتب لنا بلوغه.. فاكتب لنا أجره كاملاً غير منقوص
اللهم بلغنا رمضان..
اللهم بلغنا رمضان..
مختارة من حساب الدكتور “محمد علي يوسف” على فيسبوك.



