واشنطن تحذر من هجوم محتمل على مدينة الأبيض وتدعو إلى حماية المدنيين

كتبت – د.هيام الإبس
تعيش مدينة الأبيص حالة من الترقب والحذر الشديد بعد تصاعد الهجمات الجوية التى تستهدف البنية التحتية للمدينة بشكل مكثف، واغرقت الطائرات المسيرة عاصمة ولاية شمال كردفان في ظلام دامس عقب تدمير محطة الكهرباء الرئيسية، وهو ما اعتبره مراقبون تصعيداً خطيراً يهدف إلى تقويض مقومات الحياة في المدينة التى تعد شرياناً استراتيجياً فى وسط السودان.
فى الأثناء، وفى وقت تتصاعد فيه حدة التوتر العسكري في السودان، أصدرت الولايات المتحدة تحذيراً شديد اللهجة بشأن احتمالية حدوث تصعيد عسكري وشيك حول مدينة “الأبيض”، عاصمة ولاية شمال كردفان.
وفي حين تعرب واشنطن عن قلقها البالغ من تعرض مئات الآلاف من المدنيين للخطر نتيجة تجمع قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها حول المدينة، تبرز قراءات مغايرة تتبناها أطراف موالية لتحالف “تأسيس”، ترى في الموقف الغربي اختزالاً لمشهد الصراع وتجاهلاً للواقع العسكري المعقد.
وتشدد وزارة الخارجية الأمريكية على ضرورة حماية المدنيين، داعية إلى وقف أي هجوم على المدينة. إلا أن مؤيدي تحالف “تاسيس” يجادلون بأن هذا الإطار الدولي يغفل حقيقة أن مدينة الأبيض لم تعد مجرد مركز مدني مهدد، بل تحولت – بحسب وصفهم – إلى قاعدة عسكرية ولوجستية محورية للمجلس العسكري السوداني.
وتضم المدينة مقر “الفرقة الخامسة للمشاة”، المعروفة تاريخياً بـ “الهجانة”، وتمتلك موقعاً استراتيجياً يتحكم في الشرايين الحيوية التي تربط الخرطوم ووسط السودان بإقليمى دارفور وكردفان.
ويرى أنصار “تأسيس” أن السيطرة على الأبيض لا تتعلق فقط بالاستحواذ على مدينة، بل بإعادة رسم خارطة الصراع، فكسر هيمنة القوات المسلحة السودانية هناك من شأنه الربط بين المناطق المناهضة للمجلس العسكري في دارفور ومناطق النيل الأبيض، وهو ما قد يفتح طرق ضغط غير مسبوقة باتجاه العاصمة الخرطوم.
واشار خبراء عسكريون الى وجود تشابه كبير بين التكتيكات الحالية في الابيض وما شهدته مدينة الفاشر قبل سقوطها، خاصة فيما يتعلق بسياسة الاستنزاف والضغط على الخدمات الاساسية. واوضح المحللون ان الهدف من هذه الاستراتيجية هو اضعاف القدرة الدفاعية للمدينة وفتح ثغرات تتيح للقوات المهاجمة احكام قبضتها على المنطقة، وهو ما يثير قلقا متزايدا لدى المنظمات الدولية التي طالبت بوقف فوري للعمليات العسكرية.
فى المقابل، يرفض الخط الدبلوماسي الغربي ووكالات الأنباء الدولية هذا التكييف، مركزين على المخاوف من وقوع فظائع إنسانية.
وتطالب الحكومات الغربية جميع أطراف النزاع بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات، معتبرة أن عسكرة المراكز الحضرية واستخدام الحاميات داخل المدن الكبرى من قبل القوات المسلحة السودانية هو أحد الأسباب الجوهرية لاستمرار معاناة السكان.
وفي سياق متصل، أعربت وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر، الأسبوع الماضي، عن قلق بلادها إزاء التقارير التي تتحدث عن هجوم واسع محتمل على مدينة الأبيض، داعية إلى وقف أي تصعيد عسكري قد يهدد المدنيين.
وتأتى هذه التحذيرات الدولية في ظل توترات متصاعدة تشهدها مدينة الأبيض، بعدما تعرضت المحطة التحويلية للكهرباء في المدينة لهجوم بطائرات مسيّرة الأسبوع الماضي، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي وحدوث أضرار فنية في المنشأة.
كما دعا المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتى” إلى عدم شن أي هجوم على مدينة الأبيض، محذراً من التداعيات الإنسانية الخطيرة التي قد تنجم عن أي تصعيد عسكري جديد في المنطقة.
على الأرض، تعيش الأبيض واقعاً إنسانياً مريراً؛ حيث أفادت تقارير ميدانية بوقوع غارات بطائرات مسيرة وانفجارات استهدفت محيط المدينة، خاصة منطقة “خور تاقات”، بالتزامن مع نقص حاد في الوقود والمياه والكهرباء.
ويحذر مراقبو العمل الإنساني من موجات نزوح جماعي جديدة قد تزيد من أزمات العائلات التي فرت سابقاً من مناطق النزاع في دارفور.
وتثير التحذيرات الأمريكية جدلاً واسعاً في الأوساط السودانية؛ حيث يرى المنتقدون أن واشنطن والشركاء الدوليين لا يزالون يؤطرون الصراع عبر “لغة الإنذار الإنساني”، متجنبين الخوض في السؤال السياسي الجوهري حول بقاء النظام العسكري الإسلامي.
وبينما يزداد الضغط الدولي، يبدو أن مدينة الأبيض قد باتت تمثل نقطة ارتكاز لا يتوقف مصيرها على السلاح فحسب، بل على كيفية قراءة العالم لهذا الصراع الشامل.




